لجأت الصحفية السورية ليندا بلال منذ أقل من 6 أشهر إلى هولندا. وقد كتبت عن تجاربها في بناء حياة جديدة لصالح مبادرة "جديد في هولندا" التابعة لمنصة "المراسل".

ما هي حقوقي كلاجئة في هولندا؟ أريد أن أنشئ موقعاً صحفياً لكن موظف البلدية يرى أن من الأفضل لي تعلم التنظيف. "إنها ﻣﻬﻨﺔ ﻻ ﺗﺤﺘﺎج اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺨﺒﺮات و ﻫﻲ ﺟﯿﺪة ﻟﻠﻨﺴﺎء

أريد أن أنشئ موقعاً صحفياً لكن موظف البلدية يرى أن من الأفضل لي تعلم التنظيف.

ليندا بلال

مقابلة مع "مسؤول"

صباح یوم الثلاثاء كان موعدي الأول مع شخص من الحكومة الهولندیة "موظف البلدیة".

هو موعدي الرسميّ الأول مع شخص من الحكومة، مما جعلني أشعر أنني أسیر على الطریق الصحیح لأكون جزءاً من هذا المجتمع ، أنا من طلب هذه المقابلة لأنني سمعت أن البلدّیة قابلت جمیع أصدقائي باستثنائي أنا، ربما لأنني أسكن في منطقة نائیة عن تجمّع اللاجئین الجدد... أو ربما لأن منطقتي لا یوجد فیها لاجئین، أو ربما لم یأت دوري بعد.

ماذا تعني مقابلة المسؤول في بلدي: 

یمتاز هذا النوع من المقابلات في بلدي بالرسمیة و الخوف نوعاً ما ، یجب أن تكون دقیقاً ومباشراً وأن تدرس الوقت بما یتناسب مع الموضوع، ولأنني كنت أعمل صحفیة تعّلمت كیف أقسّم الوقت حسب المواضیع الأكثر أهمیة.

حملت معي أوراقي الثبوتّیة و بعض رسائل البلدّیة و مشروعي الخاص الجدید، وقررت أن أكون قوّیة و متماسكة. فكرت بالأشیاء الإیجابیة و كیف لصوتي أن یعود ثانیة ليظهر على الهواء مباشرة، اشتقت للاستودیو، ولمقابلة الناس في الشارع، فكرت في عدد المقابلات التي سأجریها مع الناطقین بلغتي، وكم عدد القصص التي سأنشرها.

ما أريد القيام به: تأسيس موقع صحفي

بدأت بسرد تاریخي (الذي عرفت أنه لیس مهما من ملامح وجه الموظّف) فانتقلت مباشرة لحاضري، فهو الأهم.

بادر الموظف بالسؤال المباشر والغاضب بعض الشيء:

- لماذا لا تتحدثین الهولندیة؟

- أنا أذهب إلى المدرسة منذ شهرین فقط ولم أتحدث اللغة مع أحد... أنا أحفظ كلمات مجرّدة دون جمل كاملة، أعتذر عن تقصیري وأعدك أن أتحدث معك الهولندیة في الموعد القادم.

- بدأ بتحدث الهولندیة وبدأت أفقد الفهم لمعنى ما یقول. حاولت أن أعید المحادثة مجدداً للغة الإنجلیزیة. 

أجابني الموظّف: یجب أن تتحدثي لغتنا، أنت في مبنى حكومي، قالها بغضب و شرب من كأس الماء أمامه.

حاولت بعدها أن أقفز للموضوع الرئیسي الذي توقّعت أن یكسر الجمود و أخفي خجلي من جهلي باللغة. شرحت للموظف خطتي بإنشاء موقع إلكتروني ومجلة ناطقة باللغة العربیة و الهولندیة و بمساعدة من أصدقائي الهولندیین و العرب القدامى.

 

مدمنة على القصص

أعلم أن الشعوب العربیة مولعة بالقصص و لكل منا قصصه الخاصة و في الشرق الأوسط عموماً نحب مشاركة هذه القصص (تعلمت هذا من عملي في الرادیو المحلي لمدینتي حلب) و لاحظته في معظم البلدان العربیة التي زرتها كمصر و لیبیا وتونس و الإمارات.

قال لي مرة أحد الصحفیین الكبار في العالم العربي: "تكسبین صدیقاً حین تشاركینه قصة".

شرحت للموظف أنني أنوي ترك الناس تسرد قصصها بالإضافة لتزویدهم بالمعلومات عن هذا البلد الجمیل، و مع الوقت سوف یكون لمشروعي جانب ربحي بسیط یكفیني كي أتوقف عن أخذ المال من الحكومة. لن أطیل علیكم شرح ما قلته للموظف والتفاصیل التي خضتها معه، والأوراق التي قدّمتها كدراسة للمشروع، یكفیك أن تعلم أنه قاطعني بجملة واحدة، غیرت من تفكیري تماماً: ما هي خطتك رقم ب؟ 

- ماذا تقصد بالخطة ب؟

- ماذا امتهنت إلى جانب الصحافة؟

- أعمل منذ عشر سنوات كصحفیة!! لا أعرف أن أعمل شیئا مختلفاً ولم أجرّب تعلم شيء مختلف!

- یجب أن تتعلمي شیئاً جدیداً، أملكِ في الحصول على عمل صحفيّ هنا شبه مستحیل، توجهي لتعلم التنظیف مثلاً، مهنة لا تحتاج الكثیر من الخبرات و هيجیدة للنساء!

 

ما يجب علي أن أقوم به: ان أقوم بالتنظيف

حاولت مرة أن أعمل في مطعم بتنظیف الصحون ولأنني أتحدث الإنجلیزیة فقد رشحني مالك المطعم لتقدیم الطلبات للزبائن، یومها فشلت في ذلك لأنني أفتقر إلى الخبرة في هذا النوع من العمل، في سوریا ندرس سنتین لنعمل بخدمة الزبائن. 

لم استطع أن أمنع نفسي من البكاء، و شعرت أن هواء الغرفة قد نفذ، و لأول مرّة شعرت أنني فقدت مدینتي التي أحب حلب، لا أعلم تحدیداً لمَ ربطت وقتها مدینتي بحلمي، لم أبك لأنني لا أحب العمل في التنظیف، بل لأنني لم أتعلمه منذ الصغر، لم أسمع نصائح أمي حین كانت تطلب مني أن أساعدها في الأعمال المنزلیة، لم أفكّر أن أمتهن و أتعلم مهارة أخرى إلى جانب عملي كصحفّیة. 

أحضر لي الموظف كأسا من الماء كي أهدأ، شربت منها ما استطعت، و جمّعت الجمل باللغة الهولندیة:

- علّمني كیف أعمل في تنظیف البیوت والفنادق، أرید أن أتوقف عن أخذ المال من الحكومة فوراً، أرید أن أعود إنسانة طبیعیة ومنتجة، أدفع ضرائبي للدولة كشكر وعرفان لحمایتي كلاجئة.

في لغتنا نقول: "إذا أهدیتكَ كیساً من الخبز و طلبتُ منك ألّا تأكل من القطعة المقسومة سلفاً ولا تقسم القطعة الكاملة وقلت لك أنني أهدیتك خبزا لتشعر بالشبع". كیف لك عندها أن تأكل؟ و كیف لك أن تشبع؟! إذاً أنا لم أعطِكَ شیئاً، بل وضعتك في أحجیة قدیمة لتدور حول نفسك.

خرجت من الموعد و أنا أبكي، توجهت إلى منزل صدیقتي و زوجها الذي یبعد عن بیتي حوالي الساعة بالباص، أردت التكلم مع أحد ما عمّا جرى، أردت أن أسألها عن وسیلة لأتعلم تنظیف البیوت، أردت أن أبكي بلغتي العربیة!

 

أتوا إلى منزلي لنبكي سویاً و نفكّر جمیعنا كیف سنتعّلم مهنة التنظیف

ليندا بلال

لماذا أرغب مع ذلك بالعمل في التنظيف

في الیوم التالي وصلتني بالبرید رسالة تطلب مني أن أخضع لدورة تدریبیة لأتعلم منها إدارة مصاریفي الخاصة، لأتعلم كیف لي أن أصرف الـ 270 یورو التي تصلني شهریاً، ضحكت كثیراً عند استلام هذه الرسالة وزاد إصراري على تعّلم مهنة التنظیف.

في المساء زارتني صدیقتي و زوجها وهما خریجان جامعیان بشهادات خبرات معتمدة دولیاً وهي تبكي أیضاً، أعرف صدیقتي من سوریا، جمعتنا نفس المدینة، عملنا بجد في مدینتنا حلب في الأعمال التطوعیة، وعملت هي في منظمات المجتمع المدني، قابل أصدقائي ذات الموظّف و قدّما له مشروعا متكاملاً یضمن أن یتوقّفا عن أخذ راتب شهري من الحكومة، ورفض. وبعد لقائه، أتوا إلى منزلي لنبكي سویاً ونفكّر جمیعنا كیف سنتعّلم مهنة التنظیف.

ماذا یعني أن تأخذ المال من الحكومة بالنسبة لي و لماذا یجب التوقف عنه؟

- أخذك المال من الحكومة یعني سؤالك المستمر عن مصاریفك: أین ذهبت؟ ولماذا؟ 

- حین تتوقف عن أخذ المال من الحكومة تستطیع اختیار المهنة التي تتناسب مع خبراتك السابقة ودراستك وبالتالي سوف تعمل ما تحب، ولا یفرَض علیك أن تحبّ ما تعمل.

- التوقف عن أخذ مال الحكومة یعني أن تتحول إلى إنسان یحترمه المجتمع وینظر له بندّیة، ولیس كأنه لصّ جاء لیأخذ أموال من یعملون.

دعني أختصر لك الفكرة : في بلدي یقال أن العمل عبادة، و هذا یعني أن تعمل لتشعر أنك لاتزال على قید الحیاة و الإنتاج الاجتماعي. 

- توقفك عن الاعتماد على أموال الحكومة، یعني أن لا تكن خائفا من مقابلة موظّف البلدیة و أن یبدأ جیرانك بإلقاء التحیة علیك صباحاً. كیف یمكن أن تصل لهذه المكانة؟

من المكلف جداً على ما أعتقد إخضاع اللاجئین الجدد لدورات تعّلمهم مهناً لا یعرفونها من قبل، من الأجدى حسب رأیي الخاص أن یتم دراسة خبراتهم حسب شهاداتهم الجامعیة و ترشیح المناسب منها، بعد تدریبهم بشكل مكّثف و كلّ حسب اختصاصه.

ولماذا أواصل الكتابة

أعلم أن ما سبق ربما یغضبك عزیزي القارئ بعض الشيء لأنني ضیفة جئت لبلدك و لا تعلم الوقت المتوقع لمغادرتي. ولأنني أنا أیضا لا أعلم كم سأبقى هنا، یجب أن أعرف ما هو لي و ما هو عليّ.

أعتقد أن غالبیة دورات الاندماج الاجتماعي تعلمني ما عّلي من واجبات تجاه هذا البلد الجمیل، وهي ضروریة لأعرف أكثر عن واجباتي. لكنني و كل اللاجئین الجدد لا نعلم ما لنا! ما هي حقوق اللاجئ الجدید و كیف یستطیع أن یطالب بها! 

في الـ 8 كامبات التي غّیرتها قبل حصولي على منزلي النائي: تحدّث معي العدید من موظفي الإیواء وعّلموني العدید من الأمور الهامة ومنها: "لا تجلسي بحذائك على قاعدة المرحاض، لا تنظفي الممرات باستخدام خرطوم الإطفاء، لا تقطفي الفطر السام من الغابات المجاورة، لا ترعبي الأرانب الموجودة في الغابة، لا تقتلي العناكب الموجودة في الغرفة، نظّفي غرفتك و الحمامات المشتركة مع المبنى، و لا تتدافعي في دور توزیع الطعام مع زمیلك". لم یعّلمني أحد منهم ما هي حقوقي كلاجئة إن وجدت، هل یحقّ لي الاعتراض؟ هل یحقّ لي النقض؟ هل یحقّ لي كتابة هذا المقال؟ هل سوف یتم نشره؟ هل سوف یكرهني موظف البلدیة إن قرأه؟

هل سوف یكرهني القارئ الهولندي و یعتبر أنني أتمرّد في بلد غریب؟  هل یجب أن أمحو ما كتبت و أبحث عن أحد یعّلمني التنظیف؟  و أخیراً... هل ستعیدونني لبلدي ثانیة؟ 

إن كان الجواب نعم... فربما یجب أن أفكر بمهنة تتناسب مع بلدي! 

في الحقیقة... من الصعب أن أنسى عشر سنوات من العمل الصحفي، لأن الصحافة نمط تفكیر في الحیاة و لیست مهنة لجني المال، أعلم أن الصحفیین هم الفقراء و أنها مهنة المتاعب، وأنا قبلت بذلك منذ البدایة. 

ربما سأبدأ بتعّلم مهنة جدیدة لأضمن معها الحیاة الكریمة هنا، و سأستمر بالكتابة بكل لغة أعرفها و سأتعّلمها...

عّلمتني الحرب في بلدي أن الانكسارات في الحیاة واردة و بناء حیاتك من جدید یجعل منك شخصاً عنیداً بالفطرة، لأنك نجوت من موت مؤكّد، و هو ما من شأنه أن یجعل منك شخصاً سعیداً و مندهشاً بالتفاصیل طول الوقت، لأنّ الحیاة منحتك فرصة أخرى وعليك أن تحاول استغلالها.

سأفكر بمقالتي التالیة خلال الوقت الذي أتعّلم فیه تنظیف البیوت، وسأستمر بالكتابة إليك، إلى أن أصل لوقت أكتب لك فيه بلغتك. سوف أتلعثم في كتابة مقالتي الأولى باللغة الهولندیة، سوف تقرأني  وإن وجدت بعض الأخطاء لا شك بأنك سوف تساعدني على تصحیحها.

هذه المقالة تأتي في إطار مبادرة "جديد في هولندا"، وإنجازها لم يكن ممكناً دون الدعم المالي من Stichting Dioraphte.