مثلجات موسكو لا تطفئ حرّ إدلب!

, حازم درويش

في حقبة زمنية أخرى غير هذه التي نداول أيامها بقلة حيلة لا مثيل لها، أسقطت الدفاعات الجوية التركية في تشرين الأول/نوفمبر 2015 مقاتلة روسية قرب الحدود السورية التركية. الطائرة الروسية كانت أحد وجوه التدخل الروسي الذي كان قد بدأ للتو في سوريا، نصرةً للنظام السوري الذي كان مهدّداً بشكل جدي بالسقوط تحت ضربات المعارضة السورية وحلفائها.

يومها قطعت العلاقات العسكرية بين الطرفين وتبادلا الروايات المتناقضة والتهديدات، حتّى لتحسب حينها أن الحرب الروسية التركية على أرض سوريا، كما خارجها قاب قوسين أو أدنى من الاشتعال.

هذا جرى في حقبة أخرى. أمّا الآن والتدخل الروسي قد أعان النظام على بسط سيطرته على مناطق واسعة في البلاد، لاسيما في شمالها، فالتفاهم بين الطرفين الروسي والتركي وصل أوجه. صفقات أسلحة وتفاهمات سياسية وعسكرية على الأرض في سوريا وتبادل أدوار. كأن يقول الرئيس بوتين أنّه تفاهم مع أردوغان في قمتهما الأخيرة على "إجراءات لإزالة بؤر العناصر الإرهابية في إدلب"، فيردّ أردوغان "أنّ محاربة الإرهاب يجب ألا تكون ذريعة لقتل المدنيين".

لكن في الأثناء يقتل المدنيون في إدلب وتتوحش الطائرات الروسية والسورية في استهدافهم وتسوى مدن وقرى كاملة بالأرض جراء القصف الروسي السوري، كما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية الأخيرة وتصريحات الأمم المتحدة المستندة إليها. نتيجة لهذه الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري منذ نيسان/إبريل تؤكّد الأمم المتحدة مقتل أكثر من 550 مدني ونزوح ما يفوق 400 ألف شخص.

"أردوغان يحصي أعداد المدنيين الذين يقتلون، لذا فهو لا ينزع عنهم بشريته وفردانيتهم. يساهم في قتلهم أجل، لكن لا يفقدهم طبيعتهم الإنسانية على ما يفعل نظام يحكمهم ويفترض أنّه سوري مثلهم."

أردوغان ذكر هذه الأرقام أيضاً في مؤتمره الصحفي مع بوتين، فهو يعرف العدّ والنقل جيداً وتناول المثلجات وانشغاله بطرد السوريين من إسطنبول ومحاربة الأكراد شرق الفرات لم ينسه المدنيين في إدلب. هو على الأقلّ أفضل من النظام ومن الروس ومن كلّ الآخرين. يحصي أعداد المدنيين الذين يقتلون، لذا فهو لا ينزع عنهم بشريته وفردانيتهم. يساهم في قتلهم أجل، لكن لا يفقدهم طبيعتهم الإنسانية على ما يفعل نظام يحكمهم ويفترض أنّه سوري مثلهم.

في المؤتمر الصحفي نفسه الذي لربما سبق تناول المثلجات على حسابه أو تلاها، بدا بوتين مهموماً جدّاً بوحدة سوريا. لذا فهو مهتم بإقامة منطقة أمنية على حدود تركيا مع سوريا تكفل له ألا يقلق بشأن هذه الوحدة. لكن من يصدّق بعد فكرة سوريا الواحدة هذه؟ حتّى النظام لا يفعل. لربما من الأسهل أن تصدّق أنّ النظام السوري، لاداعميه، هو من انتصر مؤخّراً في خان شيخون من أن تصدّق أن أحداً ما لايزال يفكّر في سوريا الواحدة أو يعمل لأجلها.

"لا أحد يصدّق  أنّ الحرب ستنتهي ولا أحدّ يصدّق أن النظام موجود بعد. الحرب والنظام لازالا قابلين جدّاً للاستخدام من كل هذه الأطراف."

لا قصف الطائرات الروسية للمدنيين في إدلب وتوزيع إجسادهم الممزقة تحت المباني المدمرة يضمن وحدة سوريا ولا حفظ أردوغان لأعداد المدنيين المقتولين في إدلب يحميهم.  كلّ الأطراف الخارجية التي تملك أذرعاً طويلة في سوريا تضمر الآن بضائع وصفقات يتمّ تبادلها على  حساب المدنيين في إدلب. لا أحد يصدّق  أنّ الحرب ستنتهي ولا أحدّ يصدّق أن النظام موجود بعد. الحرب والنظام لازالا قابلين جدّاً للاستخدام من كل هذه الأطراف.

وهذا كلّه يترافق مع الطلب العالمي من مدنيي إدلب أن يثبتوا قبل موتهم كما بعده أنّهم ليسوا إرهابيين وأنّهم حقّاً كانوا يستحقون الحريّة التي تظاهروا يوماً من أجلها. هل يلتقط المقتول صورة مع قاتله ليثبت "لأوروبا والغرب أنّ السوريين ليسوا إرهابيين ولا طلاب لجوء" كما قال أحد وجوه النظام السوري الإعلامية، سيف الدين سبيعي، في تبريره لتحوّله من التمثيل إلى الغناء والرقص؟

إننا، هنا، بإزاء وضع تراجيدي يختلط فيه إحصاء المدنيين المقتولين بادعاء حمايتهم والحرص على وحدة سوريا بالتفاني في تمزيقها.  وفي الأثناء يتناول الرؤوساء مثلجاتهم ويتمّون صفقاتهم ويتعلّم بعض الفنانين غناء الروك ويدفن المدنيون في إدلب أنفسهم بأنفسهم.