هناك في سوريا الكثير من الحزن الظاهر: مستشفيات مكتظة، مقابر مكتظة، لاجئون في خيام باردة مهلهلة. لكن هناك أيضاً الكثير من الأحزان الخفية، في البيوت التي لم تتضرر من القصف، لكنها مع ذلك مليئة بالثقوب. إنها بيوت من تبقّى من العائلة. الآباء والأمهات الذين غادر جميع أبنائهم إلى الخارج. أو الشباب الذين ما زالوا يترددون: هل ألتحق بمن غادر أم أبقى في سوريا؟

Nadia

بدأت الدموع تترقرق ما إن دخل إلى بيتهم صحافي هولندي: "بوجودك أشعر كأن قطعة من أبنائي قد عادت." نادية وسيروب لديهما خمسة أبناء بالغين، ولم يبق منهم ولا واحد في سوريا. ثلاثة منهم في هولندا، الأخرون أحدهم في ألمالنيا والأخرى في أستراليا. لم يشاهدا أبناءهم منذ ما بين خمس وسبع سنوات. نعم بينهما الواتساب، لكنه لا يكفي. "نتمنى أن نذهب لزيارتهم في هولندا. لشهر واحد. لكن هذا غير ممكن." فليس من السهل الحصول على تأشيرة إلى هولندا.

يأملان أن يزورهما أولادهم، بعد حصولهم على جواز السفر في القريب العاجل. وهذا ما تتمناه أيضاً الخالة سيدة التي كانت في زيارة أثناء تواجدي لديهم. كانت في الماضي تقضي أوقاتاً كثيرة مع أولاد أختها. تسكن الأسرة في القامشلي، إلى الشرق من المنطقة التي شهدت مؤخراً اجتياحاً تركياً في سوريا. وفي القامشلي أيضاً انفجرت سيارات مفخخة، حتى في شارعهم نفسه مؤخراً. يتصل الأبناء قلقين "ولكن لو حدث هنا شيء خطير، فستتوقف شبكة الإنترنت أيضاً على الأغلب." على حدّ قول الأمّ نادية.

بالطبع لم يغادر سوريا جميع شبابها. هجير البالغ 30 عاماً من بين الباقين. في السنين الماضية ودّع العديد من أقاربه المغادرين. له أخ وعمّ يسكنان الآن في السويد. أعمام وعمّات في ألمانيا وسويسرا. لديه عمّ واحد ما زال في سوريا، ووالداه أيضاً لا يزالان هنا. تشتت العوائل بهذا الشكل مؤلم جداً، يقول هجير. "الروابط الاجتماعية هنا في سوريا قوية جداً، خاصة بين الأقارب. وهذا ما يمنع بعض الناس من السفر. الحياة في أوربا أكثر فردية."

"الحياة في أوربا أكثر فردية"

هجير

طوال سنوات، كان هجير يشعر بالمسؤولية تجاه والديه، بما في ذلك المسؤولية المادية، فهو يعمل. لكن فكرة الرحيل لم تفارق باله مع استمرار الحرب في سوريا. "أحاول منذ سنوات الحصول على منحة دراسية في الخارج، ولم أنجح في ذلك." أضيف إلى تردده عامل آخر الآن بعد أن سمع من عمه في ألمانيا، عن صعوبة التأقلم مع الثقافة الألمانية. لا يستطيعون التكيف هناك. "حتى هناك، يسكنون بالقرب من بعضهم ويتزاورون كثيراً. لكنهم يبقون لاجئين. وإن كان الأمر يختلف بالنسبة لأبنائهم، فهؤلاء يكبرون هناك ويكونون صداقات."

Dora

الأبناء الأربعة للوالدين المسنّين دورا ودهام في عامودا، جميعهم في الخارج أيضاً. جميعهم في هولندا، وقبل بدء الحرب السورية بفترة طويلة. عاد الوالدان قبل أشهر بعد مغامرة لخمس سنوات في تركيا، حيث كانت لديهم شقة على الجانب التركي من الحدود. كانت عودتهما في توقيت سيئ، فبعدها بقليل بدأ الاجتياح التركي. لكن هذا ليس مهماً: "حدث الاجتياح إلى الغرب من هنا، وكنت أعرف أنهم سيحتلون تلك المنطقة فقط، ولن يصلوا إلى عامودا." تقول دورا، التي لا تبدو نادمة على عودتها: "أنا سعيدة جداً بعودتي." تقول وهي تسير في حديقتها الخضراء وسط زهور الورد المتفتحة.

Daham en Dora

ما سبب لهما شعوراً بالأسى هو أنهما لم يتمكنا طوال هذه السنوات من السفر إلى هولندا: "ذهبنا في أنقرة وأسطنبول إلى السفارة والقنصلية الهولنديتين، لكننا لم نحصل على التأشيرة. لا نرغب إطلاقاً بالعيش هناك، نريد الزيارة فقط. لماذا ترفض الحكومة الهولندية ذلك؟" تقول دورا بحسرة. احتفل الأبناء مجتمعين بالعيد الخمسين لزواج الوالدين، لكن دون حضورهما. أخرجت الأم صورة جماعية كبيرة من الحفلة. الأبناء والأحفاد يضحكون للكاميرا، لكن المحتفل بيوبيلهما غائبان.

Foto's aan de muur

في بيت ناديا وسيروب في القامشلي أيضاً، ترى صور الأبناء معلقة في كل مكان. "إنه حزن كبير أن لا يكونوا معنا هنا." تقول الأمّ نادية، وهي تراقب مغادرة الزائر الهولندي بحزن. المتبقون في سوريا يشتركون في حلم واحد: أن يجتمعوا بالغائبين يوماً ما.