تامر العلوش: "نحاول نشر السعادة في الأوقات الصعبة"

, آنا خورن

يعيش "تامر العلوش" في هولندا منذ أقل من أربع سنوات، استطاع خلالها تحقيق الكثير من النجاحات. يحتل الآن المركز الرابع في فئة "الترفيه" على قائمة Kleurrijke Top 100 (وهو تصنيف سنوي في هولندا للأشخاص الذين يحدثون فرقاً في المجتمع من خلال عملهم في مجال ما مثلاً). أجريت معه هذا اللقاء، للحديث عن مشروعه وعن شعوره عندما يتعرض للإنتقاد بسبب عمله الذي يعتبره شغفه في الحياة.

قابلت "تامر" في مكتبه في "أوتريخت". بدأنا بالحديث عن الجو الجميل في ذلك اليوم وصنع لنا القهوة السورية. بعدها بدأ بالحديث عن حياته في سوريا ولجوئه إلى هولندا.

"عشت في مدينة حماة ودرست القانون الدولي. لكنني ولسوء الحظ لم أستطع إنهاء دراسة الماستر، لأنني اضطررت إلى التوقف بسبب موقفي المعارض للنظام في سوريا. في 2015 غادرت سوريا لأن البقاء فيها لم يعد آمناً. أول مدينة وصلت إليها في هولندا كانت أوتريخت. كنا حوالي خمسمائة شخص، ننام في طابق واحد في بناء "ياربورس". لم يكن ذلك سهلاً. لكن أثناء بقائي هناك قمت بعمل تطوعي لأنني لم أرغب في البقاء مكتوف الأيدي. لذلك ساعدت في عملية توزيع الملابس، لكن ذلك لم يكن ذلك كافياً، فتطوعت بالمساعدة في فرز الملابس أيضاً. من خلال ذلك تعرفت على الكثير من الهولنديين، من بينهم "أيريس". سرعان ما أصبحنا أصدقاء نتبادل المعلومات حول ثقافاتنا وتقاليدنا وحياتنا اليومية".

أخبرني أنه بعدما غادر مبنى "ياربورس" عاش في العديد من مراكز اللجوء.

"كنت أريد العودة للعيش في أوتريخت بعد أن تنقلت في العديد من مراكز اللجوء. وطلبت ذلك من الجهة المسؤولة، على الرغم من أنهم في العادة لا يوافقون على طلبات كهذه، إلا أنهم قبلوا طلبي لأنني أخبرتهم بأنني بنيت شبكة من المعارف والعلاقات هنا، وأستطيع بدء حياتي بشكل أسرع واسهل. كما طلب أشخاص آخرون من الجهة المسؤولة مجيئي إلى أوتريخت حتى أتمكن من إخبارهم المزيد عن سوريا. كنت أخبرهم عن الوضع في سوريا لأن الكثير من الهولنديين لا يعرفون ما يدور في سوريا. يدركون بأن شيئاً ما يحدث هناك، ربما حرب أهلية. لكنهم يعرفون القليل عن الثورة، وأيضاً عن الحياة اليومية في سوريا".

وصل "تامر" جنباً إلى جنب مع "أريس لوس" إلى قائمة Kleurrijke Top 100. لأنهم قاموا بتأسيس "Dreaming of Syria" ونظموا "ليالي الدبكة". سألته عن شعوره عندما سمع ذلك.

"كانت مفاجأة رائعة حقاً. لم أكن أعرف شيئاً عن الموضوع! كنت في طريقي إلى امتحان الاندماج عندما وصلني فجأة تنبيه بخصوص ذلك من الفيسبوك. بأننا حققنا المركز الرابع في هولندا! من الرائع أن نكون في مثل هذه المبادرات المميزة".

أخبرني كيف توصلتم إلى فكرة تنظيم مهرجان "حلم حول سوريا" (Dreaming of Syria).

"أردنا إظهار جانب آخر من سوريا، عندها توصلنا إلى فكرة تنظيم مهرجان من يوم واحد بإسم "Dreaming of Syria". في هذا اليوم  كان بإمكانك اختبار جميع حواسك: أن تشم رائحة الياسمين، تذوق الطعام السوري، الاستماع إلى القصص، رؤية الفن الجميل والكثير أيضاً. كان يوماً مشحوناً بالعواطف. في المساء عزف "دي جي مطروب" أغاني الدبكة، وهي معروفة جداً لدى الناس غير الأوروبيين. كانت لحظة مميزة للغاية عندما رقص السوريون وتعلم الهولنديون بعض خطوات الدبكة. فقد تم تبادل الأدوار. قبل تلك اللحظة كان الهولنديون من يقدمون شيئا لنا دائماً. أما الآن قدمنا لهم نحن شيئاً، علمناهم رقصة من ثقافتنا. كانت لحظة جميلة جداً".

وهكذا ولدت فكرة احتفالية "ليالي الدبكة" (Dabke Nights). وبحماس أخبرني "تامر" كيف تبلورت الفكرة.

"كان يجب أن تكون فكرة الاحتفال أكثر بساطة من المهرجان. لأن المهرجان كان مكلفاً للغاية ويستدعي الكثير من العمل والجهد خاصة لمجموعة صغيرة من المتطوعين. لذلك قررنا بعدم تنظيم أي مهرجانات بعد الآن بإستثناء احتفالية "دبكة نايتس". وأثناء ذلك كانت تُقام نسخ مشابهة من هذه الاحتفالية في مدن مختلفة، وفي أماكن معروفة مثل "تيفوليفردنبرخ" في أوتريخت، و"بارد" في لاهاي. كان لبعض الناس انتقادات حول أننا يجب إظهار المزيد من الثقافة السورية فيما نقوم به، لذلك كنا نسعى دائماً إلى تقديم أشياء أخرى في "دبكة نايتس". بالنسبة لنا بناء علاقة بين الناس من الثقافات الغربية وغير الغربية هي الأهم. وهذا ما استطعنا تحقيقه من خلال رقص الدبكة بعضنا مع بعض".

"وبالإضافة إلى "دبكة نايتس" ننظم أيضاً مناسبات ذات مضمون مختلف مثل أمسية قصصية عن مدينة مثل دمشق. كما أننا نشارك في مشاريع تنظمها منظمات أخرى "كومباس" في المدينة: مثل"Nothing about us, without us". إننا نحاول القيام بالكثير من أجل تحسين الترابط الاجتماعي في المدينة".

سألته عن نوعية الناس الذين يحضرون "دبكة نايتس".

 كان التحدي كبير في أن نجعل النسبة بين الرجال والنساء متوازنة. لكننا نجحنا في تحقيقه: أصبح الإقبال متنوعاً جداً وأيضاً من جنسيات مختلفة. في إحدى الأمسيات بدأت أسال الناس عن جنسياتهم ووجدت يومها 13 جنسية مختلفة. أصبحت الدبكة رمزاً لإلتقاء الناس مع بعضهم. أناس لا يعرف أحدهم الآخر يمسكون بأيادي بعض. لا يهم من أي بلد أنت أو ما هو دينك، فالجميع يرقصون معاً. لا يهم أيضاً إن جئت وحيداً، لأنك ستتعرف على أشخاص جدد".

أصبحت الدبكة رمزاً لإلتقاء الناس مع بعضهم. أناس لا يعرف أحدهم الآخر يمسكون بأيادي بعض. لا يهم من أي بلد أنت أو ما هو دينك، فالجميع يرقصون معاً.

تامر علوش

عندما سألت "تامر" عن النقد الذي تتعرض له "دبكة نايتس"، قال:

"جميع الهولنديين الذين تحدثنا إليهم، كانوا إيجابيين جداً حول "دبكة نايتس". لكن وصلنا الكثير من الردود السلبية على الإنترنت من السوريين في البداية. اعتقد البعض أن هذه الاحتفالية موالية لنظام الأسد. طبعاً لسنا مؤيدين للأسد، كيف ذلك وجميعنا هربنا من سوريا بسبب ما يحدث هناك. أنا ضد الأسد. ربما اعتقدوا أنا نقوم بذلك لأن الحزب التابع للأسد غالباً ما يقوم بتنظيم احتفالات يرقصون فيها الدبكة، تُظهر بأن الأمور في سوريا بخير. كان من المؤسف والمزعج أن يراها الناس بهذا الشكل. لحسن الحظ الآن هناك الكثير من السوريين فخورين بما نقوم به، ويشاركون في هذه الاحتفالية بالرقص وتناول الطعام، وتقديم شيئ من ثقافتهم للهولنديين. أعتبر "دبكة نايتس" دعوة للابتعاد عن الحزن والاحتفال بالحياة مع بعض. نحن محظوظون لأننا نعيش في هولندا. بعض الدول يعيدون السوريون إلى سوريا، لأنهم يقولون أن الحرب قد انتهت. لكن ليس هناك ما يعودون إليه، فمنازلهم غالباً قد تدمرت. وفي حال عودتهم يتم اعتقالهم لأنهم تكلموا ضد النظام".

"تامر" يعرف جيداً لماذا قام بتنظيم "دبكة نايتس".

"على الرغم من المتعة التي نعيشها أثناء تنظيم "دبكة نايتس"، إلا أنها تتطلب الكثير من الجهد والوقت. يجب دائماً بيع الكثير من بطاقات الدخول، لأن ليس لدينا أي نوع من المساعدة المادية، وغالباً لا يتوفر لدينا الوقت اللازم للتقدم بطلب الحصول على المال. إذ أننا، أنا وإيريس نعمل أربعة ايام في الأسبوع ولدينا عائلاتنا لنهتم بها. مثلاً في اليوم الثاني لعيد الفصح، كان يوم عطلة، عملنا طوال اليوم في التحضير للاحتفالية، بينما كنا نريد أيضاً أن نكون مع عائلاتنا. يعتقد الكثير من الناس أننا نكسب الكثير من المال من خلال "دبكة نايتس"، ويحاولون أيضاً بتنظيم شيء مماثل. لكنهم يكتشفون في النهاية أن الأمر أصعب مما توقعوه. نحن لا نقوم بذلك من أجل المال، بل نريد أن ننشر السعادة في الأوقات الصعبة".

وتابع: "قبل بضعة أشهر، كنت أبحث حول موضوع الإحتراق النفسي (Burn-out)، لأنني كنت أعتقد بأنني أعاني منه. لكن عندما قرأت المزيد عنه وأعراضه، علمت بأنها ليست حالتي. لأنه إذا كنت تعاني من ذلك، فإنك لا تجد أي متعة فيما تقوم به، ولا الرغبة في الاستمرار به. لكنني سعيد جداً بما أقوم به".

من الطبيعي أن يقلق بشأن الإحتراق النفسي. فهو يقوم بتنظيم "دبكة نايتس" وورشات عمل لتعليم الدبكة، بالإضافة في عمله في KRO-NCRV أوOpenEmbassy. سألته إذا بإمكانه أن يشرح القليل عن الـ OpenEmbassy، قال:

"تسعى OpenEmbass إلى تفعيل دور القادمين الجدد إلى هولندا في أسرع وقت ممكن. ونحاول تحقيق ذلك بطريقتين: الأولى عن طريق تمكين الأشخاص أنفسهم. لدينا مثلاً مكتب عبر الإنترنت لمساعدة القادمين إلى هولندا. أما الطريقة الثانية فهي بتكليف من البلديات على سبيل المثال. إذا استطعنا تغيير شيء في النظام، سيتغير الوضع بأكمله بالنسبة للقادمين الجدد. ونحن في حاجة لذلك".

"ونتلقى من خلال مكتب المساعدة مختلف أنواع الأسئلة صغيرة كانت أم كبيرة. وبإمكان الجميع الوصول إلينا بسهولة سواء إلى الموقع الإلكتروني أو التطبيق من خلال أجهزة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول. بإمكان الجميع طرح أسئلتهم، وسيجيب عليها فريق عملنا، الذي يتألف من هولنديين ومن القادمين إلى هولندا. يتحدثون بالإضافة إلى الهولندية، الإنكليزية والعربية والفارسية ولغات أخرى. ليتمكنوا من مساعدة أكبر عدد ممكن من الناس".

"ويمكننا من خلال الأسئلة التي يطرحها القادمون الجدد معرفة أنهم الآن في مرحلة مختلفة من عملية الاندماج، في مقارنة مع بداية إنشاء OpenEmbass عام 2015. عندها كنا نتلقى أسئلة مثل: ماذا يعني طبيب الأسرة؟ كانوا قادمين جدد بالفعل إلى هولندا وعليهم أن يتعلموا كل شيء من البداية. أما الأسئلة التي نتلقاها الآن، فهي تدل على أن الناس استطاعوا أن يجدوا طريقهم في هولندا. فالأسئلة الآن مثلاً حول الإقرار الضريبي، أو البحث عن عمل أو اختيار دراسة ما. كما نقوم ايضاً بتحليل الأسئلة لمعرفة ما يمكن أن تفعله المنظمات أو الجهات مثل البلديات بطريقة مختلفة لتعود بفائدة أكثر على القادمين إلى هولندا وتدعمهم. أما إذا وصلنا الكثير من الأسئلة حول موضوع معين، ولم يكن الشرح المقدم واضحاً وكافياً، نحاول الحصول على الأجوبة من مختلف الجهات، من السياسيين مثلاً".

OpenEmbass تجدونه على هذا الرابط:

 https://www.openembassy.nl/en/openembassy-en/

المزيد من المعلومات حول "دبكة نايتس" في هذا الرابط:

 www.dabke-nights.nl