لماذا في هولندا "أشعر أنني غريب.."؟

, سومر العبدالله

"أشعر بأنني شخص غريب في صفي"، هكذا قالت طالبة سورية، تدرس الرياضيات التطبيقية في Fontys Hogeschool في تيلبورخ، لجريدة de Volkskrant. وأضافت "أنا أجلس دائماً لوحدي في الصف، وفي أوقات الاستراحة". أما الوضع بالنسبة إلى طالب أريتيري في جامعة خرونينجن فيبدو أفضل قليلاً، حيث يقول: "أجلس في الجامعة مع زملاء هولنديين، نضحك ونتحدث سوياً بشكل طبيعي، ولكن خارج الجامعة لدي القليل من التواصل معهم".

الطالبة السورية تعزو الأمر إلى خشيتها من الإحراج لعدم تمكنها من اللغة الهولندية، الأمر الذي يحدّ من تواصلها مع زملائها، هذه الخشية تفاقمت لديها بعد أن أخبرها زميلها الهولندي أنّ لكنهتا الهولندية "غريبة". "منذ ذلك الحين لم أعد أتجرأ على التحدث كثيراً"، تقول الطالبة السورية.

لكن الأمر لا يتعلق فقط باللكنة الهولندية الغريبة التي يمتلكها القادمون الجدد في سنواتهم الأولى في هولندا. وإنما أيضاً بنمط بناء  العلاقات لدى الهولنديين والذي يختلف تماماً عن مثيله الذي تعوّد عليه القادمون الجدد في مجتمعاتهم الأصلية.

كما أنّ الأمر قد يتعلّق بالصورة المسبقة التي يمتلكها قسم كبير من الهولنديين تجاه القادمين الجدد. أحد الطلبة من القادمين الجدد قال في نفس المقال أنه يدرس مع مجموعة مختلطة من الطلاب الأجانب والهولنديين. زملاؤه الهولنديين يعتبرونه أجنبياً كباقي زملائه الأجانب أيضاً، ويتعاملون معه على هذا الأساس، وليس كشخص مستقر دائماً في هولندا. "يتفاجئون أحياناً أنني أتحدث الهولندية"، يضيف في المقال ذاته.

أوصل شعور الوحدة والعزلة بالبعض إلى التفكير في ترك هولندا، والعيش في بلد آخر، أو بالعودة إلى بلادهم الأصلية. "الحياة في هولندا بلا روح"، يقول "أحمد" لاجئ سوري لنفس الجريدة. "أتذكر دمشق بلهفة، أتذكر الحياة هناك، والشوارع والأشخاص الذين كنت معهم، أشرب الشاي أمام منازلهم وأحياناً حتّى الساعة الثالثة صباحاً". على الرغم من أنه يتابع دراسته هنا ويتحدث الهولندية جيداً، إلا أنه ينتظر الوقت الذي سيتمكن فيه من العودة إلى دمشق.

امتنان وتقدير

يشعر أغلب القادمين الجدد بالامتنان والسعادة لاستقبالهم في هولندا. هنا يستطيعون أن يكونوا أحراراً وآمنيين. لكنّ هذا لا يعني أنّهم حقا سعداء بحياتهم هنا أو راضين عنها. هذا ما أكده برنامجEen Vandaag في استطلاع له حول وضع اللاجئين في هولندا عام 2017. حيث شارك في الاستطلاع أكثر من 1000 لاجئ معظمهم سوريون، وأظهر الاستطلاع أنهم متحمسون لتعلم اللغة واكتشاف المدينة أو القرية التي يعيشون بها. لكن النسبة الأكبر منهم لا تملك بعد أصدقاء هولنديين. نصف المستطلعين يشعرون بالعزلة والوحدة، وقالوا بأن إقامة صداقة مع الهولنديين صعبة، وهذا بسبب اللغة أولاً، ولأن الهولنديين يريدون الحفاظ على مسافة بينهم وبين اللاجئين الذين يتعاملون معهم، ثانياً.

هولندا من أسعد البلدان ولكن

هولندا تعتبر واحدة من أسعد البلدان في العالم، لكن هناك نسبة كبيرة من الهولنديين يعيشون في عزلة أيضاً. ومواقع التواصل الاجتماعي هي المنقذ لهم. الكثير من الهولنديين يتعارفون على بعضهم من خلال تطبيقات خاصة للتعارف. أصبح الانترنت  ملاك الحب، أو الطريق الذي يقصر المسافات نحو إقامة الصداقات. إلى جانب تسوقك لثيابك وأحذيتك عبر الانترنت، أصبح بإمكانك أيضاً اختيار  من تعتقد أنهم سيصبحون أصدقاءك أو حتى شركاءك في الحياة. ذلك أصبح سمة العصر الذي نعيش فيه، وربما الطريقة الوحيدة التي قد تنفع القادمين جدد. إلى الآن لم يدخل الاهتمام بالحياة الاجتماعية في هولندا اهتمام الحكومة بشكل صريح، وعلى الرغم من أن هولندا تتصدر قائمة الدول التي يشعر سكانها بالرضا، إلا أن قياس الحياة الاجتماعية لا يدخل في مؤشر الرضا هذا.

يركز الهولنديون في حياتهم اليومية على العمل، مع الاستمتاع بالحياة من خلال أشياء بسيطة، لا تتطلب منهم الاختلاط دائماً بالآخرين. أما بالنسبة للقادمين الجدد فالأمر مختلف تماماً، ففي بلدانهم الأصلية كانوا يحاولون دائماً حجز مساحة من يومهم للاستمتاع والتواصل مع الآخرين.