هانس ياب ميليسن حول الهولنديين الذاهبين للجهاد في سوريا: طباخون، كلهم طباخون!

, أجرى اللقاء: باسل آل بنود

هانس ياب ميليسن أحد أشهر المراسلين الحربيين في هولندا. وقد حصل في عام 2012 على لقب صحفي العام من قبل موقع "فيلاميديا" بفضل تقاريره الصحفية عن الربيع العربي. كان ميليسن حاضراً في تغطية معارك الموصل والرقة. كما أنه كان في سوريا منذ بضعة أسابيع فقط، حيث قابل في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية النساء الهولنديات المعتقلات من المنضمات إلى تنظيم #داعش وأطفالهن. كما ذهب إلى الباغوز حيث دارت المعركة الأخيرة ضد التنظيم. زميلنا باسل أجرى معه هذه المقابلة الشيقة.

دعنا نبدأ بزيارتك الأخيرة إلى سوريا. لماذا ذهبت إلى هناك وما الموضوع الأساسي للزيارة؟

الموضوع الرئيسي هو انهيار الخلافة التي أقامها تنظيم داعش، بما في ذلك انهيارها في آخر منطقة كانت قد تبقت تحت سيطرتها. كانت تنهار منذ فترة طويلة بالطبع، لكنها الآن تخسر آخر قرية تحت سيطرتها حرفياً.  استغرق الأمر بالطبع أطول مما اعتقده الجميع.، بمن فيهم أنا حين زرت المنطقة لآخر مرة، لكن الواضح الآن أن الخلافة قيد التصفية.

ما هي التقارير التي أعدتها من هناك؟

أنا أعمل لحسابي الخاص لذلك أعد مواداً لصالح إذاعات وصحف عدة. أعددت عدة تقارير لصحيفة "تراو" وبرنامج "إين فان داخ" حول عدد من المواضيع. بما في ذلك ما يجري هناك الآن. ومن هم الناس الذين يخرجون من الباغوز (آخر قطعة أرض متبقية بيد الخلافة). لكن أيضاً حول المشكلة التي ينشغل بها الناس في هولندا: مقاتلو داعش الهولنديون والنساء الهولنديات في التنظيم وأطفالهن. إنهم مسجونون هناك لدى الأكراد أو في مخيم للاجئين (مخيم سجن). كما أن عدداً من المقاتلين لا يزالون في آخر بقعة تابعة للخلافة. حاولت العثور على هؤلاء الأشخاص، وهو ما نجحت به أيضاً.

هل التقيت بالهولنديات المنضمات إلى تنظيم داعش؟

نعم وبمقاتل هولندي أيضاً.

بمقاتل أيضاً؟ ماذا كان انطباعك؟ كيف تجري أمورهم؟

تحدثت مع امرأتين بل حتى ثلاثة. كلهن لديهن قصص، على الأقل من تحدثت معهن بالهولندية. إنهن يقمن منذ فترة طويلة في مخيم. ويقلن إنهن قد غادرن بأنفسهن مناطق داعش. يمكنني أن أنقل ما قُلنه فقط، لأنني لا أستطيع التحقق منه. يروون لي دائمأً قصة: الرجال في المعتقل أو قتلوا أو مفقودون، وقد سئمن من كل هذا ويردن العودة إلى المنزل في هولندا. جميعهن لديهن أطفال، لأنهن ذهبن إلى مناطق داعش، وهناك دورهن الأساسي هو إنجاب الأطفال. وإذا قتل زوج إحداهن ستحصل على مقاتل جديد تتزوج به.  تلك هي في الواقع قصصهن.

جميعهن وجدن تلك المخيمات مريعة. أنا لم أجد المخيم بذلك السوء في الحقيقة. نعم، ليس من الجميل أن تقيم في مثل هذا المخيم. لكنني شخصياً كثيراً ما أستمتع بالتخييم لفترة محدودة في الصيف. الحرارة بالطبع تكون مرتفعة جداً في الخيمة صيفاً وباردة في الليل وفي الشتاء. وهناك أيضاً الكثير من الشجارات بين النساء المقيمات فيها. وتحديداً مع النساء القادمات من بلدان أخرى، وأحياناً من سوريا والعراق أيضاً. فهاتيك النساء لا يزلن يؤمن بشدة بالدولة الإسلامية وبالتالي يفتعلن الشجارات مع الأخريات ممن لم يعدن يغطين أنفسهن بالكامل على سبيل المثال.

أجمل ما قمت به في الواقع هو مقابلة مقاتل داعش الهولندي. كانت تلك أول مقابلة تُجرى مع مقاتل داعش هولندي مُعتقَل. لكن هؤلاء أيضاً لا يقولون الكثير. فهذا المقاتل مثلاً يقول: نعم، انضممت إلى داعش، لكنني لم أقم بشيء هناك. لم أذهب للقتال، ولم أحصل على تدريب عسكري. أجل، أعتقد أنه يكذب. طباخون، كلهم طباخون. قلت له: لكن كانت لديك بالفعل بندقية كلاشينكوف؟ فأجاب: نعم، لكنها كانت مجرد ديكور منزلي في غرفة الجلوس. هذا هراء بالطبع. لكن كل ما يمكنك أن تأمل به هو أن يتمكن القاضي الذي سيمثل أمامه من رؤية أمور أخرى: أفلام عثر عليها على هاتفه مثلاً أو رسائل أرسلها لأشخاص آخرين وتم اعتراضها. لكن تبقى هناك دائماً تهمة الانتساب إلى منظمة إرهابية.

وهل لاحظت لديهم علامات على الندم؟ هل يعتقدون أنهم سيعودون إلى هولندا؟ وهل تعتقد أنت ذلك؟

أجل، لكن ندم على أنهم وضعوا أنفسهم في هذا الموقف الصعب، وعلى كونهم مسجونين. لقد أرادوا الذهاب إلى الجنة، جنة الله على الأرض، وهذا لم يحدث طبعاً. في الباغوز لا يزال المزيد من أفراد التنظيم يخرجون من هناك مع آخر من تبقى من المدنيين. هؤلاء هم بالطبع النواة الصلبة للتنظيم. هم من بقوا هناك لأطول فترة، وهم من كانوا حقاً يقيمون هناك بمنتهى السعادة، ومن صرخوا دائماً بأن الدولة الإسلامية باقية. لا يزال هؤلاء يؤمنون بأفكار داعش، لكنك تسمع منهم بالطبع أنهم خائفون جداً من التبعات ومن المثول أمام القضاء. أجهزة الاستخبارات الهولندية التقتهم، لكن حتى الآن تقول الحكومة الهولندية إنها لن تستعيدهم. أعتقد أن الحكومة الهولندية ستقوم بذلك في نهاية المطاف، على الأقل بالنسبة للنساء والأطفال. أعتقد أن هذا سيحدث بالفعل. وغالباً ستحصل النساء على أحكام خفيفة تخرجن بعدها من السجن كما حصل في قضية "لورا. ه" مثلاً.

 

نعم، تلك في الحقيقة إحدى النقاط التي يتسلح بها المناهضون لعودة الذاهبين للجهاد في سوريا إلى هولندا. يقولون إنهم سيحصلون على عقوبة قصيرة لبضعة أشهر أو بضعة سنوات، وسيعودون بعدها إلى المجتمع ولا أحد يعرف ما سيفعلونه عندها.

هذا بالطبع مشكلة أيضاً، لا سيما بالنسبة لأولئك المقاتلين. أنا أرى ذلك أيضاً. آمل أن يحصلوا على أحكام أطول مدة، إن كان في ذلك فائدة أصلاً. سيطلق سراحهم بالنتيجة، وتلك هي المشكلة. لقد تحدثت بهذا الخصوص مع عدة أشخاص ولا يبدو أن هناك حلاً في الأفق.

كثير من المعلقين على صفحتنا على فيسبوك قالوا إن هؤلاء الأشخاص يجب أن يحصلوا على أحكام بالسجن المؤبد. ما رأيك؟

أجل، لكن عليك أن تنظر إلى الأحكام القضائية في هولندا. قد يكون من الممكن تطبيق ذلك من خلال تعديل القانون: حكم بالسجن المؤبد في حال كنت مقاتلاً في تنظيم إرهابي. لكنني لا أعرف ما إذا كان بالإمكان تطبيق ذلك بأثر رجعي. كثيراً ما يكون ذلك غير ممكن. الرجل الذي اغتال ثيو فان خوخ يقضي بالفعل عقوبة بالسجن المؤبد في هولندا ولن يخرج أبداً من السجن. لن يخرج ابداً ليسكن بجانبك بعد فترة، وتبدأ أنت بالتساؤل: والآن ماذا؟ أفهم جيداً خوف الناس من عودة هؤلاء.

تلك الفكرة الغبية حول المسلمين الذين يقطعون الرؤوس هي في جزء منها  أحد الأضرار التي تسببت بها داعش من خلال ما قامت به في الشرق الأوسط.

هانس ياب ميليسن

الكثير من الهولنديين، أو لنقل الهولنديين غير المطلعين بما يكفي، يشعرون بالخوف عند ذكر كلمة "سوري". أتعتقد أنهم لا يميزون بين السوريين وبين الذاهبين للجهاد في سوريا؟

هذا ممكن، فمع الأغبياء لا تعرف أبداً ما القصة. هناك أغبياء يعتقدون أن الأرض مسطحة. ودائماً مأ أجد أنه من الصعوبة بمكان التعامل مع هذه الحقيقة أو أخذها بعين الاعتبار. لكن ما أعتقد أنه كثيراً ما يلعب دوراً في ذلك هو أن الناس يمكن أن يكونوا خائفين من المسلمين. فتلك الفكرة الغبية حول المسلمين الذين يقطعون الرؤوس هي في جزء منها  أحد الأضرار التي تسببت بها داعش من خلال ما قامت به في الشرق الأوسط.

لكن هل يفهم معظم الهولنديين برأيك أن الذاهب للجهاد في سوريا هو هولندي وليس سورياً؟

أحياناً يصيبني الفزع حين أفكر بما قد يفهمه الناس وما قد لا يفهموه. ومع ذلك أعتقد أن الهولنديين يفهمون أن الذاهب إلى سوريا للجهاد هو شخص ذهب إلى هناك وليس سورياً.

هل يفهمون أن السوريين هم ضحايا لهؤلاء الذين خرجوا من هولندا للجهاد في سوريا؟ 

هذا الربط لا يزال أمراً صعباً على الهولنديين. هم يرون أن عليهم أن يخافوا من المسلمين السوريين والعراقيين الذين يأتون إلى هنا، لأنهم يفجرون أنفسهم. مع أن هؤلاء هم هنا أصلاً هرباً ممن يفجرون أنفسهم.

يتبع في الجزء الثاني...