هستيريا ترحيل السوريين عليها الانتظار طويلاً

, حازم درويش

عالم غريب هذا الذي أصبح فيه السوريون لاجئين. الكلّ في هذا العالم خائف والكلّ مخيف. فالبلدان التي استضافت اللاجئين السوريين خائفة على نقائها العرقي والجيني (بالإذن من تيري بوديت الهولندي وجبران باسيل اللبناني) ورخائها الاقتصادي وسلمها الاجتماعي الذي بات مهدّداً من قبل سوريين يندمجون جيداً أو لا يندمجون، لا فرق.

 والسوريون خائفون أيضاً من بقائهم مكرهين في بلاد لجوئهم وانتفاء احتمال عودتهم إلى بلدهم كما من إكراههم يوماً على العودة في ظروف لا تسرّ عدواً ولا صديقاً، على الرغم من أنّها قد تسرّ شخصاً واحداً لا يزال قادراً على النوم في قصره في دمشق، ولا نعرف الآن إن كان حقّاً لايزال قادراً على أكثر من ذلك.

الخوف المتبادل هذا تطوّر في الأشهر الأخيرة لدى بعض سياسي الدول المستضيفة لهؤلاء اللاجئين إلى نوع من هستيريا جماعية تستغلّ أي تصرف فردي للاجئ ما أو أي تطور عسكري على الأرض في سوريا للدعوة لترحيل السوريين أو بعبارة أخفّ لإعادتهم إلى بلادهم، مستخدمين كلّ ما في وسعهم من وسائل تواصل إجتماعي ومنصات إعلامية لترويج فكرتهم الوحيدة: سوريا آمنة وعلى السوريين أن يعودوا.

هذا الخطاب الهستيري يمتد ليطال اللاجئين السوريين من تركيا ولبنان إلى هولندا وألمانيا إلى باقي البلدان بدرجات أقلّ. ففي تركيا و ما أن أُعلنت نتائج انتخابات إسطنبول التي فازت فيها المعارضة حتى انطلقت حملة واسعة على وسائل التواصل الإجتماعي تدعو لترحيل السوريين، وفي لبنان لم يعد لوزير الخارجية جبران باسيل من هاجس إلّا السوريين وترحيلهم وتفوّق اللبنانيين الجيني عليهم، أمّا في هولندا فلا يفوّت رئيس حزب "منتدى من أجل الديمقراطية" تيري بوديت فرصةً إلّا ويتحدّث فيها عن سوريا الآمنة التي يستطيع السوريون أن يعودوا إليها ليعيدوا إعمارها.

طبعاً لا أحد يستطيع أن يحدّد ماهية سوريا الآمنة هذه التي في رؤوسهم، لكنّها بالطبع تشمل وجود بشار الأسد وطغمته الحاكمة كلّها الذين اضطروا مع الأسف خلال السنوات الماضية لاستخدام أشياء كريهة من قبيل براميل متفجرة وأسلحة كيماوية وغيرها من أنواع القتل والسجن والتهجير أثناء حربهم على الإرهابيين. لكن هذه كلها كانت تصرفات فردية وآثار جانبية في سبيل الوصول إلى سوريا الآمنة. أمّا الآن فهم جميعهم بانتظار عودة اللاجئين إلى سوريا الآمنة التي صنعوها لنا. ما أنبلهم! وإذا ما عاد هؤلاء اللاجئون سيستطيعون البدء فوراً بإعادة الإعمار مع ذات الشركاء الذين كانوا يقتلونهم، خطأً، مع الأسف.

ولا بدّ من الاعتراف هنا أنّ هؤلاء المحرّضين على اللاجئين السوريين نجحوا بتحييد مشاركة بلدانهم في حرب سوريا عن النقاش المرتبط بالسوريين وترحيلهم. فهولندا تيري بوديت كما لبنان جبران باسيل تلوح في خطاباتهم بلدان مسالمة في كوكب آخر أو جزر محايدة في محيط واسع لا تتدخلّ في شؤون السوريين وليس لديها طائرات أو مقاتلين فيها.

كائناً ما كان يبقى أنّ تجاهل وجود بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا وأنّه المتسبّب بتهجير هؤلاء اللاجئين لدى أصحاب هذا الخطاب الهستيري يفقدهم أي حجة أخلاقية أو قانونية في إلحاحهم المستميت لإعادة اللاجئين، ويبعدهم عن أي صلة بواقع يؤكّد أنّ سوريا ليست آمنة ولن تكون يوماً ما آمنة طالما بقي هذا النظام حاكماً فيه. وهذا ما أبرزه بشرح مستفيض تقرير وزارة الخارجية الهولندية الصادر منذ أسبوع والذي توصّل إلى أنّ سوريا لاتزال بلداً غير آمن للاجئين السوريين، خاصةً المعارضين منهم.

لن يغيّر هذا التقرير وأمثاله من قناعات أصحاب الخطاب العنصري الهستيري، لكنّه على الأقل سيكون ورقة تمنع تحويل خطاباتهم إلى سياسات، خاصةً بالتعاون مع أصدقائهم في اليمين التقليدي الذين قد يجرأون على القول بخجل أنّ "بعض مناطق سوريا آمنة".