في إجازة من بلاد "الفكانسي" السعيدة!

, حازم درويش

منذ أشهر طويلة وأنا أريد الذهاب في إجازة، منذ سنة أو سنتين أو ثلاث وأنا أريد ذلك. منذ جئت إلى هذه البلاد السعيدة في إجازة طويلة ببطاقة ذهاب بلا عودة، حتّى الآن على الأقل، وأنا أقول أنّي سأهرب من طقس هذه البلاد ولن أعود. أنا قلت هذا؟ لا، كنت أقول أنني أريد الذهاب في إجازة ثمّ أعود مجدّداً لمتابعة رحلتي في هذه البلاد السعيدة.

 أجل عليكم أن تصدّقوني، حتّى وأنا أقول عكس ذلك، إذا ما ظلّ الطقس غائماً لعشرة أيّام متواصلة وتلبّستني نوبة كآبة لا تنتهي إلّا بطلوع شمس ما، أي شمس، حتى لو كانت خطّ أو خطين في نهاية يومي صيفي، يفترض أنّه صيفي، طويل لا ينتهي إلّا فيما بعد العاشرة مساءً.

 لكنّي في الواقع أردت الذهاب في إجازة منذ استمعت لأول مرة قبل سنتين لأحاديث الهولنديين مطلع الصيف، عن خططهم للذهاب في إجازة. كنت في بداية تعلّمي للغة وأعمل متطوّعاً في مركز للمسنين قريب من بيتي في زفولا. أثناء استراحة الغذاء راح الكلّ يحكي عن خططه لإجازة الصيف وحين جاء دوري قلتُ ببساطة: أنا لن أذهب في إجازة، لا أستطيع! شعرتُ بعد نطقي لهذه الحروف كما لو أنّي نقلت إليهم خبر وفاة أحدهم. فقد انهالت عليّ عبارات الأسف ونظرات الشفقة التي لم أفهمها إلّا حين اقترح علي أحدهم أن أزور صديق ما في جنوب هولندا أو شمالها. المهم ألّا أبقى في زفولا. المهم أن أذهب بعيداً!

 هناك هوس في هولندا بالإجازات وبالحديث عنها، لا يجاريه إلّا هوس الرغبة بالذهاب بعيداً عن كلّ شيء. بالجلوس هادئاً ووحيداً على شاطئ ما. في هذه البلاد من لا يذهب في إجازة يحسّ نفسه معاقاً. يشعر بالخجل أنّ يقول: أنا لا أريد الذهاب في إجازة أو أنا لا أستطيع ذلك! فالمفهوم المروّج هنا أنّ كل الذين يعملون بجهد يستطيعون الذهاب في إجازة، فعندما لا تذهب في إجازة يكون هذا تقصير منك لسبب أو لآخر أو لأنّك من أولئك الذين لا يعملون بجدّ كفايةً.

 لكن ماذا عن أولئك الذين يعملون بجدّ ولا يستطيعون الذهاب في إجازة؟ لا أحد يراهم! لا أحد يريد أن يراهم! لربّما عليهم أن ينقذوا أنفسهم بالذهاب ولو ليومين في رحلة قصيرة إلى ألمانيا أو بلجيكا. حينها سيتطيعون على الأقل القول: سنذهب في إجازة، لقد كنّا في إجازة. وهذا هو المهم في الموضوع. حين ستقول ذلك ستستطيع التباهي وسيطمئن الآخرون أنّك ذهبت بعيداً، متحرّراً من كلّ شيْ وبهذا لربّما ستظلّ سعيداً حتّى موعد الإجازة المقبلة!

لكن من أين جاء إلى أذهان الهولنديين أنّ السعادة والاستمتاع بالصيف لا يكون إلّا بعيداً و وحيداً، أو على الأكثر مع عائلتك الصغيرة فقط؟ ما هي ثقافة الإجازة هذه التي من المستحيل أن يستمتع الواحد منّا فيها في بلده ومع أهله وناسه؟ إنّها ليست الرغبة في اكتشاف الأماكن الجديدة والاستمتاع بشمس البلدان الأخرى فقط، إنّها أيضاً ثقافة الفردية والتحرّر من الالتزامات والصلات التي تربطك بمحيطك وأقربائك وجيرانك وزملائك بالعمل. كلّ هؤلاء الناس يضغطون على عقل الهولندي، حتّى لو كان التواصل معهم لا يتجاوز التحيّة الصباحية العادية. وهو في الإجازة يريد التخلّص منهم جميعاً، ولو بعض الوقت!

هذا شيء مختلف عن ثقافة الحياة والاستمتاع بها التي عشنا وسطها في سوريا. هناك لا أحد يفكّر أو يخطّط فعلياً للذهاب في إجازة. فالجوّ الذي يخلقه الهولنديون في إجازاتهم يخلقه الناس في سوريا مساء كلّ يوم أو كلّ يوم جمعة أو أحد. حيث تلتقي العائلة أو الأصدقاء في جلسات سمر تغمرها الضحكات واللعب والمزاح وتستمر حتّى ساعات الصباح الأولى. وهذه المتعة لا تكلّفك إلّا أركيلة وقهوة أو متة وما إلى ذلك. وقد تفكّر في أن تذهب إلى البحر أو إلى الجبل لبضعة أيّام، لكن هذا ما لاتسميه إجازة وما لن تبقى تتحدّث عنه لأشهر أو تصرف عليه الكثير من المال.

وفي هذا كلّه أنت لا تذهب بعيداً، فالسعادة لديك هي أن تظلّ في القرب وأن تعيش اللحظات الجميلة مع الناس التي تحبها، من أقرباء وأصدقاء وجيران. لا متعة في الجلوس على الشاطئ أو في تناول بيتزا في مطعم في السنتروم وحيداً. المتعة في سوريا كانت ولاتزال فقط فيما يمكن لك أن تعيشه مع الناس وما تستطيع أن تشاركه معهم. وهذا ما يهرب منه الهولنديون بعيداً بالذهاب في إجازة.

نحن، سوريو هولندا ومن في حكمهم، لسنا مضطرين للذهاب بعيداً عن هذا كلّه كما الهولنديين، نحن في الأصل بعيدون، لقد قمنا برحلة إجازتنا منذ سنوات ولم نعد بعد، هل سنعود؟ قد لا يكون مهمّاً، المهم في هذا كلّه أنّني أردت الذهاب في إجازة، وأنّني سأسافر في إجازتي بعد أيام إلى جنوب المتوسط. هذا بعيد كفاية على ما أظن. أوّلاً وقبل كل شيء بعيد عن الهولنديين وعن معركة الاندماج اليومية. ومن يدري قد أجلس على الشاطئ هناك وأقرّر أنّ هذا بعيد كفايةً ولا أعود!