القلب في الغربة بالون لا يطير

, حازم درويش

هذا المساء أحسّ أنّ قلبي أصبح بالوناً كبيراً. بالون كبير جدّاً في الواقع. بالون فارغ إلّا من الهواء الذي يملأه ويجعله ثقيلاً جدّاً. هذا الهواء الذي في داخله يدفعه إلى الأسفل، بينما يسحبه الهواء الذي يحيطه من الخارج إلى الأعلى. كيف يحلّق بالون تتجاذبه أهواء بجهات متنافرة؟ كيف يظلّ قلب ما ينبض كبالون تتجاذبه جهات لاحول له عليها ولا قوة حيّاً؟ لم يعد هناك المزيد من الوقت كما من المجال لتجعل قلبك ينمو كنجمة. أجل كنجمة، لا كبالون. لكن هل تنمو النجوم حقّاً؟

قبل سنة من الآن، قبل سنتين، ثلاث أو عشر سنوات كان ذلك ممكناً، لأنّ النجوم حينها كانت تنمو كما الورود في حقلٍ من التوليب في شهر أيّار ما. لكن هذا ما كان، لا ما هو كائنٌ الأمر عليه الآن. الآن النجوم باتت تنمو كبالونات، وهذا خطر بما فيه الكفاية رغم أنّه مجاني جدّاً. فالبالونات مؤقّتة ومزيّفة. إنّها تنتفخ وتحلّق بجهودنا التي نبذلها لنبقى بخير أو لنبقى بخير صحبة الآخرين. أمّا النجوم فحقيقيّة. إنّها تضيء من ذاتها لك ولذاتها وللآخرين، دون طلبٍ أو جهد منك. ثمّ أنّها تفي بوعودها كلّها. وهذا يرقى في أيّامنا هذه إلى مصاف المعجزات.

وأنت إذا ما رأيت يوماً بالوناً يحلّق في السماء فأنت لن ترى فيه أكثر من بالون عادي، لكن إذا ما تأمّلت... ما الذي أكتبه الآن؟ هل أكتب مقالاً عن أوجه الخلاف بين البالونات والنجوم؟ كنت أعتقد أنّني بدأت المقال بالحديث عن إحساسي بأنّ قلبي أصبح بالوناً. صحيح. يجب أنّ أشدّد على هذه النقطة وأتوسعها بها. إذاً، أشعر هذا المساء بأنّ قلبي أصبح بالوناً. تماماً. هذا جيد. لكن كيف يصل الإنسان لأن يحسّ بقلبه هكذا؟

هذا يحدث عندما يظلّ يجد نفسه يدور في حلقة مفرغة. في حلقات مفرغة بلا نهاية. كأن يضطر دائماً للشرح أو للتبرير. للكثير منهما. كل يوم، يجلس هكذا بينه وبين نفسه ويفكّر: لماذا أعيش غريباً في هذه البلاد الباردة؟ يفكّر في السؤال وفي الإجابة كأنّه يفعل ذلك لأول مرّة. ثمّ يروح يكرّ شريط الإجابة الطويل على نفسه ويعدّد البنود ويفرز الصور. ثمّ؟ ثمّ لاشيء. يهدأ شعور الغربة قليلاً ويدعه لكي يذهب إلى النوم. إلى نوم ما. لكن في الأثناء يصبح قلبه بالوناً. يمتلأ بهواء الإجابة. ينتفخ ولا يطير. يجثم على الصدر. ثم لا يصير شيئاً. يظلّ هكذا جاثماً. كلّ يوم أكثر. إلى أن... إلى أن ماذا....؟ إلى أن لا شيء. يعيش بقلب كبالون وانتهى الأمر. لكن كيف يعيش؟ ليس مهماً. هذا تفصيل في النهاية!

الدوران في الحلقات المفرغة صحبة الشرح والتبرير يحدث أيضاً عندما تجد نفسك عاجزاً عن ردم هوة ذاكرة حياتك الماضية في بلدك البعيد وصورها. ذاكرة بألبومات بيضاء سوداء وملوّنة. كلّما جَهِدت في ردمها، كلّما تعمّقت أكثر وسقطت فيها. وحتّى حين تسقط تظلّ تردم أو هكذا يخيّل إليك. تسمّي هذا اندماجاً. تسمّيه شجاعةً وإصراراً. لكن في الأثناء يصبح القلب بالوناً. ينتفخ كأنّه الحفرة. لا يطير. يبقى عالقاً في الحفرة. يصير هو الحفرة نفسها. من يردمها حينئذٍ؟ ما يردمها؟

عندما تجهد نفسك كل يوم في لغة جديدة لتحكي، لتكتب، لتصف وجعك، لتعمل، لتعيش. يصير قلبك بالوناً. تظلّ طيلة النهار تقيّم نفسك. تقيس الاحتمالات. تتوقّع المستقبل. تخافه. تتفاءل أحياناً. تتشائم أحياناً أخرى. تخجل من نفسك أو قد تفخر بها. تقف في زاوية ما أو في وسط الصالة. كلّ هذا تفعله وأنت تحكي لتعيش. أو هكذا يفترض. الحكي الذي هو لأغلب البشر سبيل البداهة. من يفعل ذلك كيف لا يثقُل قلبه كبالون مليء بالكلمات والتعابير، لكنّه فارغ من اللغة؟ اللغة التامة الناجزة التي يحكيها الواحد كما يبتسم ولا تحدّد مصير حياته.

قد تزور يوماً أهلك البعيدين المغتربين أيضاً عن بلدهم مثلك لكن في مدينة على ضفة أسئلة وخيارات واحتمالات فتجد نفسك لا تعرفهم ولا تعرف نفسك بينهم. هل ينتفخ قلبك كبالون أم يبقى قلباً سليماً معافى ينبض كأنّه يعزف؟ أهلك الذين أنت منهم، الذين ظللت سنوات تشتاق إليهم تجدهم غريبين. نفسك القديمة غريبة. أولاد أخيك الذين يحتضنوك غريبون. وأنت في هولندا غريب! تحاول أن تستوعب هذا كله. أن تفهم كيف حدث. لا تفلح. فقط ينتفخ قلبك كبالون ولا يطير. يظلّ طافياً على وجه مياه المضيق إياه.

هذا كلّه يحدث متتالياً ولا تدركه. تحسّ به ولا تستطيع تحديده أو وصفه. فقط ثقل في القلب يشدّه إلى القدمين وخفة أخرى تحاول أن تسحبه بقوة إلى الأعلى وأنت تحاول كلّ يوم، كلّ لحظة، أن تظلّ بخير، أن تتقدّم إلى أمام ما، أن تبني، أن تعيش، أن تنجو بقلبك من هذا الثقل وهذه الخفّة اللذين لا يُحتملان. لكن أحياناً، كما في هذا المساء، تفشل. يتزاحم عليك كلّ شي وتحسّ أنّ قلبك منتفخ كبالون فارغ وكبير، لكنّه ممتلىئ بالغربة. غربة لا تنمو فيها القلوب كنجوم، بل فقط كبالونات، لا تطير ولا تستكين.