أخي الآن مستلقٍ تحت تراب هضبة أورتا كوي العالية في إسطنبول. خطأ ما في حساب الأعمار والأرواح أخذه بعيداً عنّا. نائمٌ أخي الآن هناك. منذ لجوئه إلى إسطنبول لم يعرف النوم. من الصفر ومن الوحدة حاول بناء حياته هناك بعد أن كان الأول في العائلة الذي أُرغِم على ترك حلب بعد اشتداد الحرب وتعاظم أشكال الموت المختلفة هناك.

 قبل عام 2013 لم يكن يجمعنا بإسطنبول لا تراب ولا ماء، سوى قصة جدتي القديمة التي كانت ترويها لنا منذ صغرنا عن جدّنا الأكبر الذي هاجر من إسطنبول إلى حلب نهاية القرن التاسع عشر. جدّتي كانت تحكي عن إسطنبول تفاصيلاً لم نكن نتخيّل أنّنا سنعيش فيها يوماً، لكن بعد لجوء أخي لجأت العائلة بأكملها إلى إسطنبول، واحداً تلو الآخر، كلّ واحدٍ منّا كان يقسم أنّه لن يغادر حلب مهما حصل، ثم أخلفنا كلنّا في أقسامنا ولم نحتمل المزيد وغادرنا المدينة وخرابها وموتها. كنّا نريد أن ننجو وقلنا نهرب من المدينة ولم نكن نعرف حينها أنّ حلب لا تترك أحداً، هي تهرب مع الهاربين منها. تظلّ تأتي في كوابيسهم وأحلامهم كسيرة لحلم ليلة صيف لا يحول ولا يزول.

أخي الذي تركته وعائلتي ورائي عام 2015 لأتابع رحلة اللجوء وحدي إلى هولندا كان يعيش حلم حلب هذا وكابوسها كل يوم في إسطنبول. أذكره الآن في شقاء شهوره الأولى في إسطنبول، كان، كما كل السوريين، يحاول النجاة بأقصى ما يمكنه، لكنه ظلّ يغرق كل يوم أكثر في غربته عن حلب. شيء يشبه ما أفعله أنا اليوم في هولندا، ما نفعله جميعا. لكنّنا لن نفلح في تجاوزه يوماً. قديماً قالوا في وصف حلب إنّها "جورة الهمّ" وكل من يخرج منها من أهلها يرتفع مقداره وتتحسّن أحواله. هذا صحيح. أنا وأخي نجونا وبعد عذاب وجهد نجحنا في غربتنا، لكنّ حلب ظلّت في داخلنا كنقطة سوداء تدور في القلب وتذيبه كل يوم أكثر.

كلّ يوم نظلّ مشتتين بين نظرة إلى الخلف وأخرى إلى الأمام، نسعى وراء إقامات وجنسيات وأعمال تسكّن خوفنا من المستقبل، تمنحنا شعوراً بالأمان لا يمتلكه إلّا المواطنون في بلدانهم، لا اللاجئون في بلدان غيرهم. أخي كان سعيداً قبل وفاته بأسبوعين بحصوله على الجنسيّة التركيّة، ظنّ وظننا معه أنّه أخيراً نجا، أنّه وصل إلى الطرف الآخر من الشاطئ، أنّه حصل على ثمن غربته عن حلب. لكن يبدو أنّ القدر كان لديه رأيٌ آخر.

أتبلّغ خبر وفاته في غربتي الهولنديّة وحيداً، أحسّ أنّ العالم كلّه انهار، أريد أن أراه، أن أودّعه، أن أرى أهلي، لكن لا سبيل إلى إسطنبول، فأنا مجرّد لاجئ، لا يحقّ لي ما يحقّ لباقي الناس. يجب علّي دفع سعر أعلى كلّ مرّة ثمناً للجوئي ونجاتي. أفكّر أنّي آخذ أخي إلى حلب وأدفنه هناك. ماذا يفعل أخي تحت تراب إسطنبول؟! ما لنا وما لإسطنبول نحن حتى ندفن على هضبة مطلّة على البوسفور فيها؟ لطالما أحببتُ إسطنبول، لطالما اشتقت إليها، لكنّي الآن أكرهها. تراب حلب أحقّ بنا. تراب حلب. حتى وأنا أكتب هذه الكلمة أحسّ بكل بحبة تراب مشينا عليها في تلك المدينة، بكل نسمة هواء تنشّقناها هناك. هذا ليس نوستاليجيا، هذا ليس مثاليّات. هذا حقّ لنا وخسرناه. ألم خسارته قد يوازي ألمي بوفاة أخي. لقد لجأنا ولم نكن نعرف أنّنا هربنا من ألم إلى آخر. كلّ يوم لازلنا نفعل ذلك.

في السنة الأخيرة راكمت في هولندا الكثير من الإنجازات رغم الكثير من التعب والحنين. الإنجازات كانت تواسيني، كانت تعطي معنىً للجوئي، لوجودي هنا بعيداً عن حلب. لكن فجأة، مع وفاة أخي، خسرت كل الإنجازات معناها في داخلي. الحرية هي القيمة الأسمى لهولندا، كيف أكون حرّاً وأعامل كمحتجز لا يستطيع توديع أخيه أو دفنه؟ ثمّ أنّنا نكتشف كل يوم كم من الصعب أن تكسب صديقاً في هذه الغربة، فكيف لو أنّك خسرتَ أخاً؟

أن تخسر أخاً وأنت بعيد عنه وعن مسقط رأسك لا يعني أنّك خسرت قطعة من الماضي فقط، بل قطعة من المستقبل أيضاً. لطالما حلمتُ وانتظرت أنّي في العام المقبل حين أحصل على جواز السفر الهولندي، أسافر إلى إسطنبول، وأصحب كل ما إنجزته في سنوات غربتي في هولندا معي وألتقي أخي، نمشي أنا وأخي في حاراتها التي تشبه حارات حلب، نتعاتب ونسخر من غربتنا وآلامها ونفرح بما وصلنا إليه. نجلس نشرب القهوة على ضفة البوسفور ونحن نستعيد حلب وناسها وشجرة الأكي دنيا في بيت جدنا وأغنية "أنا بعشقك" لميادة الحناوي التي كان يحبّها وأمّي. هذا كلّه لن يحدث إطلاقاً. هذا كلّه ضاع. ولم يبق إلّا أنّي أزور إسطنبول يوماً وأحمل توليباً هولندياً بطعم الغربة وأضعه على قبر أخي على هضبة أورتا كوي العالية في إسطنبول وأهدي حلب السلام!