كتب الشاعر الهندي طاغور إلى صديقه: "أكتب إليك من لندن … وليس فيها سكر ولا زبد ولا وقت فراغ ولا مكان هادئ تستطيع فيه أن تستجمع أفكارك أو تعرف نفسك… إن قلبي يبحث عن غذاء ولكن بلا جدوى، إني أحلم دائمًا ببلادي وما فيها من حياة سهلة بسيطة. إني لا أستطيع أن أفهم كيف يرضى القوم هنا أن يعيشوا في كل هذه القيود؟". بإمكاننا هنا وضع أوسلو أو برلين أو أمستردام مكان لندن، فلا يوجد فرق.

في هولندا، كل شيء منظم ومرتب في بلد اللامفاجآت هذا، يُرتّب الهولنديون حياتهم في دفاتر مواعيدهم، ويعرفون قبل عدة أشهر كيف، أين و مع من سيقضون أيامهم، ومن سيحضر حفلاتهم. حتى أنك لتخسر إحساس المفاجأة حين تتلقى الهدايا، لأنك تعرف مسبقاً ماهي ومن سيهديك إياها. الأجندة بالنسبة للهولنديين كالبوصلة بالنسبة لمن يقطع الصحراء. وعلى الرغم من أنني أيضاً قد امتلكت أجندتي الخاصة إلا أنني أغبط من أعرفهم كيف يرتبون كل شيء،  كل شيء مسجل لديهم، وملون حسب الأهمية.

بعد قدومي إلى هولندا، بدأت بشراء أجندة مع بداية كل عام جديد. وفي كل مرة كنت أبدأ بتسجيل مواعيدي، على الرغم من قِلّتها. ولكن بعد مدة من الزمن كنت أتوقف عن القيام بذلك. ولكنني بقيت أشتري واحداً مع بداية كل سنة جديدة.

لن تكون مضطراً دائماً لأن تفكر وتتوقع شكل يومك التالي هنا. أنت تنتظر القطار صباحاً مع جموع غفيرة للذهاب إلى عملك، لا داعٍ إلى أن تزاحمهم عند صعود القطارولا أن تلقي تحية الصباح على الجالسين أو الواقفين في كبينة القطار، والذين هم أساساً منشغلون في شاشات هواتفهم الذكية. الصمت يطغى على الركاب الذين يصعدون وينزلون في محطاتهم بطريقة آلية. علاقة الهولنديين بالشاشات هي علاقة الطفل بثدي أمه، مواعيد قطاراتهم، لقائهم بأصدقائهم، عملهم، أو أي إجراء يتعلق بحياتهم اليومية. كل شيء مضبوط وإن حصل أي اختلال في روتين الحياة اليومية كإشارة شاشة المحطة إلى أن وصول القطار سيتأخر مثلاً، تشاهد الاضطراب بادٍ على وجوه الجميع تقريباً.

"الأجندة بالنسبة إلى الهولنديين هي كالبوصلة بالنسبة إلى من يريد قطع الصحراء"

ما قاله طاغور أعلاه، كنت قد قرأته في كتاب لأحد مفكري ما يسمى عصر النهضة الإسلامية في بدايات القرن الماضي. على أية حال لم تكن هناك لا نهضة ولا من يحزنون، ولكن المفكر أحمد أمين كان من بين الأوائل من رواد التنوير الإسلامي والوسطية في الإسلام. تحدث أحمد أمين في كتابه "الشرق والغرب"  عن أن الأوروبيين يعملون كثيراً ويصرفون أوقاتهم في العمل، ولكن "متى يجدون أنفسهم؟". هو يعتقد أن الحضارة الأوروبية لم تقدم للإنسانية إلا الصعوبات في تأمين الإنسان لحاجاته الضرورية. "إن الأوروبيين يرهقون أنفسهم في العمل ويفخرون بأن ليس لديهم وقت، إذن فماذا يملك أولئك القوم أن لم يملكوا وقتهم؟"

في أوروبا الغربية يعيش الناس لكي يعملوا، وفي بلداننا كان أغلبنا يعمل لكي يعيش. هذه هي المعادلة ببساطة. على التلفاز الهولندي دعاية لوكالة توظيف، الدعاية تكرر جملة واحدة: "Make Money. Work. Make Money. Work"، وتشاهد في الدعاية نفسها، فتىً على حصان يمسك سيفه كنابليون بونابرت، واليوروهات تطير من حوله كأوراق الشجر. أنت تعيش هنا لكسب المال، ولكي تكسب المال عليك أن تعمل، وتعمل، وتعمل. ولكن "متى يجدون أنفسهم؟!".

كيف يمكن أن يتلقى القادم الجديد، هذه الدعاية والثقافة التي تقف وراءها، وهو الذي اعتاد ثقافة الرضا!. طالما أنك قد أمنت حاجات يومك، فالله لن ينساك في اليوم التالي. أما هنا فالبنك أو الجهة التي تقرضك المال، هم أهلك أو أصدقائك الذين كانوا يساعدونك عندما كنت تحتاج إليه.

بدأت هنا بافتقاد إحساس الحرية من الضغوط اليومية، وشعور الضجر الذي كان يصيني أحياناً في بلدي. أفتقد إحساس الضيق من أنني كنت أحياناً لا أملك شيئاً لأقوم به. ولكن بعد أن امتلأت الأجندة خاصتي بمواعيد العمل، وطلبات البلدية ومصلحة الضرائب، لم يتبقى لي من مكان لأدون عليه أوقاتاً أستطيع أن أكون بها نفسي.