لم يعد العصر الحالي عصر كتابة أو قراءة، الكتّاب كما الصحفيون يعملون في مهنة منقرضة. غالبية الناس لم يعد لديها لا الوقت لقراءة الكتاب ولا القدرة المادية لشرائه.

 متطلبات كثيرة تلّح على الناس وتحاصر حياتهم اليوميّة. ألعاب الهواتف المحمولة كما مواقع التعارف تأكل من عقول الجميع. و هذه كلّها تتقدّم بلا هوادة بداعي التطوّر والتحرّر وإزالة الحدود واختصار الوقت. وفي تقدّمها تأكل أخضر الكتب ويابسها. والغريب أنّنا كلّما تورطنا في ذلك، كلّما ازدادات مشاكل عالمنا وازددنا انغلاقاً على أنفسنا وعلى طوائفنا وأنشئنا المزيد من الحدود حتّى بيننا وبين أنفسنا، ولم يعد لدينا أيّ وقت، حتّى لقراءة صفحة في كتاب.

لهذا يبدو أسبوع الكتب الذي يبدأ اليوم في هولندا استعارة مجازية من زمن آخر أو محاولة لاستدراك ما يمكن إنقاذه من تضاؤل ثقافة القراءة حتّى الالكترونية منها، حتّى في الغرب.

أنت تجلس في قطار أو حتّى في مكتبة، ترى غالبية الناس غارقة في شاشات هواتفها كأنّها مقيّدة بها. ونادراً ما يركّز أحدهم بشيء ما، فقط استهلاك للصور والأخبار والصفحات لإضاعة الوقت. والمعنى مفقود. حين تقرأ كتاباً فأنت تبحث عن المعنى، معنى ما تقرأ عنه وأبعاده ومعنى لحياتك التي تتقلّب أيّامها بين شروق وغروب بتراكم يضيع فيه كلّ شيء إلّا ما تعلّمته.

 طويلاً ما تمّ التذرّع بأنّ أزمة القراءة هي أزمة ورق. لكن في الواقع هي أزمة عصر، قلّة من الناس فقط تبحث اليوم عن الكلمة أو عن التعلّم من خلالها، الكلّ في هذا العصر أصبح عالماً بكلّ شيء، فما حاجته إلى كتاب؟ إلى آخر يشاركه تجربة لا يعرف عنها شيئاً؟ إلى الاقتراب من هذا الآخر إلى حد الفهم والقبول والمشاركة؟

 لا أحد يقرأ كتباً ويكره أو يقتل، الكتاب يجعلك أقلّ ثقة بصوابية رأيك، أكثر تسامحاً مع كل الأراء. الكتاب لا يجعل منك أستاذاً كلّيّ المعرفة، بل طالباً يريد المزيد ليتعلّمه، ليعيشه وليفهمه، وفقط حينها يستطيع أن يغيّر ما في واقعه. من يستطيع التغيير الآن؟ من يريد؟

الآن بعد أن أكلت الصور والألعاب الإلكترونية عقول الصغار قبل الكبار، بدأوا بالترويج لأسابيع قراءة ونوادي قراءة وكتب لا أحد يشتريها إلّا بحفلات توقيع وطاولات طعام وصداقات يصير الكتاب فيها داعي تشريف لا داعي معرفة.

في نهاية شهر حزيران الماضي تداولت وسائل الإعلام العربية خبر دعم أجهزة أمازون كيندل للغة العربيّة بفرح كما لو أنّه نصر عظيم سيقلب هزيمة القراءة والكتب إلى نصر صافٍ، لكن ما هي إلّا أشهر قليلة حتى تأكّد ما تنبّأ به كثيرون من أنّ تدوال هذه الأجهزة في أيدي القراء الافتراضيين لن يكون أكثر من وسيلة تفاخر وأنّ أمازون لم تهدف من هذا إلّا لربح ماديّ لا صلة له لا بالقراءة ولا بالقرّاء!

الكتب ذاهبة لتكون محطّ رثاء لا محطّ مديح، أمّا القارئ فهو قارئ بأسبوع كتب ما كما بدونه. فرحته بالكتب وبالمعرفة وبملاقاة الآخر الذي بين السطور وأفكاره لا توازيها سعادة. فالإنسان مهما سعى وحاول ليس إلّا واحداً ولا يملكُ إلّا حياةً واحدة، أمّا من يقرأ فإنّه يبحث عن احتمالات لامتناهية لهذه الحياة، يقرأ  "لأنّ حياةً واحدة لا تكفي"!