أيلول حلب في زفولا.. "القصة مش طقس"

, حازم درويش

يتلوّن فضاء مدينة زفولا، هذه الأيّام، بأشعة شمس من لون واحد. لون قشور الليمون الأصفر الذي تخاتله بعض الغيوم الشاردة بين الحين والآخر. تظلّ الشمس بهذا اللون الليموني من شروقها إلى مغيبها، حيث يملأ سماء المدينة وأسقف منازلها القرميدية كما أرصفتها الممتلئة بأوراق الشجر البنيّة.

حين أمشي في وسط المدينة للتسوّق، أسمع خشخشة أوراق الأشجار تحت عجلات درّاجات طلّاب المدارس، الذين يملأون سكون الطقس بالصخب، ثمّ ألتقي مصادفةً بجارتي العجوز التي تروح تنسى حال الطقس اليوم لتخبرني عن إجازة الصيف التي قضتها في إيطاليا.

تظلّ العجوز تستخدم كلمات من نوع كبير ورائع وجميل في وصف إجازتها، وأنا منذهل عنها وعن حديثها في تأمّل الأوراق الصفراء المتجمّعة تحت الشجرة الضخمة، قرب مقهى "هت ريفتر"، والتي تصفّر أولاً وقبل سواها من الشجر في وسط المدينة. عن أي إيطاليا وأي صيف تحكي هذه المجنونة؟ إنّه إيلول، ثمّ إنّي منهك ولا قدرة لدي على مسايرتها في أحاديثها الصيفية. إنّي لأشبه هذا الطقس أكثر من نفسه.

أتهرّب من العجوز على عجل وأتابع سيري متأمّلاً تفاصيل الطقس حولي. إنّه إيلول، أفكّر مجدّداً. ولأنّي أفكّر ستأتي حلب مجدّداً، ستملأني بصور أيلول والخريف فيها، ثمّ سأروح أقارن بين صور الخريف هنا وصوره هناك. ثمّ سأحسّ أنّ كلّ شيء هناك كان أحلى وأجمل. ثمّ سأشتاق وسأتذكر أخي الذي توفي قبل أشهر وكيف كنّا نذهب معاً إلى المدرسة مطلع كلّ أيلول، ثمّ لاشيء.. سأتخيل الناس الذين عاشوا هنا وراحوا، كيف عاشوا أيلول؟ بأي فرح وأي ألم؟ وسأمضي...

"في الأيلول الأوّل هناك عيون الراهبة ونظرتها الصارمة وهي تلومني لأني آكل الكعك هكذا والآن. وفي أيلول حلب الأخير هنالك عيون أمّي"

حين تعرّفت على مدينة زفولا لأوّل مرّة، كان ذلك في أيلول. أيضاً حين غادرت حلبّ إلى إسطنبول كان ذلك في أيلول. حلب الآن بعيدة، وإسطنبول أيضاً. زفولا وحدها هنا. إلى متى؟ من يدري؟ أجلس إلى طاولة  المقهى الذي تميّزه كراسيه الحمراء، فتدّق أجراس الكنيسة الباسيلية. حين تدّق يأخذ المشهد بعده الآخير. أصير كأنّي في فيلم. أين شاهدتُ هذا الفيلم؟ ماذا كانت نهايته؟

 تدور أغلب مشاهد الفيلم في كنيسة الفرنسيسكان ومدرستها  في حلب وفي الحيّ حولها. هناك في أيلول، حيث الأوراق الصفر والبنية تملأ باحة المدرسة والشوارع المحيطة بالكنيسة. وأنا؟ أنا كطفل بمريول أزرق، أقضم كعكاً بسمسم وأنتظر على باب المدرسة الباص أو أحد الأقرباء ليقلّني إلى المنزل. ثمّ ستمرّ مشاهد طويلة بين هذا الأيلول وأيلول آخر غادرتُ فيه المدينة. في الأيلول الأوّل هناك عيون الراهبة ونظرتها الصارمة وهي تلومني لأني آكل الكعك هكذا والآن. وفي أيلول حلب الأخير هنالك عيون أمّي وهي جالسة على طرف السرير صباح مغادرتي متمنية أنّني  قد عدلتُ عن قرار المغادرة وأنّني باقٍ معها ومع المدينة وحربها حتى آخر حجر فيها.

"كيف ينتهي هذا الفيلم؟ بالأحرى لا ينتهي. لا شيء ينتهي. كلّ الأشياء تظلّ تبدأ، تغيّر الأماكن والأشخاص لا ينهي شيئاً."

لكنّي حقّاً أغادر. أوّلاً إلى إسطنبول التي أدخلها في صباح أيلول بارد، لأعيش بين طرفيها الأوروبي والأسيوي وعلى الباخرة بينهما ما يسرّ وما يسيء، حتّى أغادرها في أيلول آخر، لأجلس هنا في زفولا على كراسي هذا المقهى الأحمر. لأستمع إلى أجراس الكنائس ولأتأمّل الخريف ولأستعيد ذلك الفيلم كلّه على مهل. من بدايته إلى نهايته. كيف ينتهي هذا الفيلم؟ بالأحرى لا ينتهي. لا شيء ينتهي. كلّ الأشياء تظلّ تبدأ، تغيّر الأماكن والأشخاص لا ينهي شيئاً.

الشمس بلونها الليموني تختفي، لتمطر السماء برذاذ خفيف. أترك الفيلم وشخوصه وأطلب قهوة. أفتح اللابتوب وأبدأ بكتابة هذا المقال وأفكّر أنّنا في أيلول ندفع ثمن حياة نعيشها بالعكس. مع بداية كل عام نظنّ أننا سائرون  إلى صفحة جديدة في حياتنا، فنصل أيلول ونحن لا نزال ندور في حلقاتنا المفرغة نفسها. فالقصة «مش طقس» كما تقول فيروز، هي فقط دورات حياة وحسابات بشر لا بد من أن تصل الى نهاياتها وتستعاد تجاربها في أيلول دون سواه من شهور السنة.