حين أصبحتُ لاجئاً

, حازم درويش

لا أعرف بالضبط متى حدث ذلك، لكنّه في الواقع حدث منذ وقت طويل جداً. طويل لدرجة أنّي لا أستذكر غيره. لا أذكر الآن حقّاً ذلك اليوم الذي لم أكن فيه لاجئاً. منذ متى وأنا لاجئ؟ بالطبع ليس في ذلك اليوم الذي غادرت فيه حلب إلى إسطنبول قبل ست سنوات ولا في ظهيرة أحد أيام آب عام 2015 حين ركضت على الحدود بين المجر والنمسا هرباً من الشرطة الهنغاريّة لأصل النمسا التي لاحت لي في رحلة اللجوء البائسة تلك كمحطة نجاة أخيرة.

أنا لاجئ قبل أن تضطرني الحرب في سوريا للجوئي الأخير بزمن بعيد. لاجئ منذ ذلك اليوم الذي تعرضّت فيه للضرب بكرباج شرطة مطار حلب الأسود لأنني ركضت أنا الطفل ذو العشر سنوات لاحتضان جدتي القادمة من السفر. لاجئ منذ ذلك اليوم الذي مسحت فيه ساحة المدرسة كاملةً "منبطحاً"  لأنّني تأخرتُ بضعة دقائق على الدوام أو حين تمّ تعنيفي بشدّة ورّمت يدي لأنّني نسيت أن أحضر الخبز للموجّه عوضاً عن أشارك في حصة الرسم التي "بلا فائدة".

 مع كل سلوك من هذا النوع رحت أختبره في طفولتي ومراهقتي بدأت بفقدان شعوري بالمواطنة. منذ البداية لم يكن وطني. كان وطنهم "هم". أولئك الذين يتمتعون بجميع السلطات التي أبرزها سلطاتهم على حيواتنا وأهالينا لو حدث و "فتحنا فمنا" سواء عن قصد أو غير قصد كما حذّرنا أهالينا ألّا نفعل يوماً.

رويداً رويداً ونحن نكبر في بلدنا راحت فكرتنا عن الوطن وعن وجودنا فيه تتقلّص. كذلك فكرتنا عن المواطنة وحقوقها. كيف تكون مواطناً وأنت تخاف كل شيء حولك؟ حتى وأنت تشتري خبزاً أو تكتب موضوعاً أو تطرح سؤالاً عليك أن تحسب حساب سلطات لا حدود لسلطاتها.

اللاجئ لا يلجأ لجوئه الحقّ لحظة هربه الأخيرة بين حدود وبلدان مختلفة، بل يظلّ كل يوم يلجأ قليلاً  حتى يلجأ لجوئه الأخير: الهروب الفعلي.  

منذ وعيت نفسي غريباً في هذا المجتمع الذي لا يعرف الحرية ولا يقدّر الاختلاف كنت لاجئاً، كلما كبرت رحت أصير لاجئاً أكثر. لا بحث لي كما بحثي عن الأمان في حدود ما أمارسه من حريّة خفيّة ومقوننة كصحفي وكإنسان. وحين اجتمعت أسباب الخوف جميعها على اختلافها كان لجوئي الأخير عبر حلب وإسطنبول عود على بدء لجوئي الأول الذي لم أعرف سواه يوماً إلى وجهة لا أعرف عنها شيئاً.

اللجوء في النهاية هو حق الإنسان في أن يكون آمناً، كما حقّه في أن يكون ذاته. حقّه في ألّا يعيش خائفاً مهدّداً و ألّا تصادر سلطات شتّى حقوقه الوجودية الأساسية. حقّه في أن يكون حرّاً أيضاً. ما الإنسان وما معنى إنسانيته إن لم يكن حرّاً وآمناً؟ الحق في اللجوء هو حقّ في النجاة.

بينما لايزال الكثيرين يرون فيّ مجرد لاجئ، لا أفخر بشيء الآن وأنا أعيش آمناً حرّاً في هولندا كما بلجوئي، بشجاعتي للهرب مما يهدّدني ويقيدني، بنجاتي من كل أهوال رحلة اللجوء، بكوني الآن بعد هذا اللجوء كلّه تمكنت في أن أكون ما أنا عليه؛ إنسان! إنسان حرّ وآمن في هولندا.