عندما تحمي ملائكة البحر المتوسط القيم الأوروبية

, بقلم سومر العبدالله

تقول الحكاية أن فتاةً أفريقية كانت جالسة على حافة قارب صيد متهالك في عرض البحر، كان القارب يتحرك مع حركة الموج، صعوداً وهبوطاً. وكان ممتلئاً بأناس من جنسيات متعددة، وكان يضيق بهم جميعاً. في منتصف الطريق تعطل محرك القارب ولم يكن بالإمكان إصلاحه. لم يكن هناك سوى البحر من تحتهم والسماء من فوقهم ولا يملكون سوى هاتف يحاولون عبره الاتصال بقوارب الإنقاذ وانتظار أن يبعث الله لهم بمعجزة تنقذهم. بعد يوم كامل من الانتظار من دون أن يأتي أحد وبعد محاولات متكررة للاتصال بخفر السواحل الإيطالي، خيم الصمت على كل سكان هذا القارب. الفتاة الأفريقية التي لم تجد مكاناً لها سوى على حافة القارب، كانت كالجميع صامتة وتنظر إلى المياه. تفاجأ الجميع بعدها بصوت اصطدام جسد بالماء، ليدركوا أنها قررت أن تضع حداً ليأسها. لكن شاباً رمى بنفسه في الماء لينقذها من الموت غرقاً. لم أشاهد ذلك بأم عيني ولكن أحد أصدقائي الذي كان على نفس القارب شاركني هذه القصة.

صديقي نفسه أكمل قصته، وقال أن عدوى اليأس قد انتشرت بين ركاب القارب، إلى أن حلقت فوقهم طائرة هيلكوبتر ثم ابتعدت بعد أن لوحوا لها بلهفة. وبعد ذلك بنصف ساعة اقتربت سفينة كبيرة، كانت تابعة للجيش الإيطالي. وحينها اقترب من قاربهم، الذي كانت المياه تتسرب إلى داخله، قارب قادم من تلك السفينة، لتبدأ عملية إجلائهم. قال: "لم أعرف حينها إن كان الذي رأيته هذياناً من شدة التعب والعطش ولكنني رأيت المنقذين يشبهون الملائكة. ربما لأن بعضهم كان يرتدي سترات بيضاء. مع إجلاء المهاجرين اكتشف المنقذون أن القارب يحوي جثة شاب توفي جراء الاختناق بسبب الازدحام في القارب. حادثة وفاة هذا الشاب قد لاتهتم بها وسائل الإعلام، كما أن خبراً مثل هذا قد لايهز مشاعر الكثيرين مثل خبر إيذاء حيوان أليف.

على النقيض مما تستحقه تلك الملائكة من تقدير، أصبح هناك من يحاول أن يعمل على قص أجنحتها كبعض سياسيي أوروبا، مبررين ذلك بتعب بلادهم من الأعداد المتزايدة من القادمين عبر البحر. كما يتهم البعض منهم المهاجرين واللاجئين بأنهم يخاطرون بأنفسهم على متن هذه القوارب ويأتون إلى هنا لأنهم طامعون بالجنة الأوروبية، ولكن ربما لايدرك الجميع أنه ما من أحد يختار طريق الموت هذا ويضع أطفاله في قارب، مالم يجد أن البحر أكثر أماناً من الوطن. ما يفعله اللاجئون والمهاجرون هو أنهم يستبدلون معاناتهم في بلادهم بمعاناة ممزوجة بالأمل بحياة أفضل في أوروبا. وسيبقى هناك مهاجرون ولاجئون جدد يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى من البحر، وسوف يغرق منهم العشرات وربما المئات، ولن يثني ذلك غيرهم عن المحاولة من جديد.

قبل الحرب والمآسي كنا نرى البحر، بلونه الأزرق وأمواجه المتكسرة على الشاطئ، رفيقاً للشعراء والعشاق. إليه كان يهرب الناس طلباً للطمأنينة والراحة. لأجله وموجه وشاطئه ألِّفت أجمل الأغاني العربية. إلا أن شعراءنا نسوا أن للبحر وظائف أخرى في أوقات الحروب والمعارك. فهو يحمل الناس إلى شواطئ الأمان بعيداً عن ضجيج المعارك والقتال. وبإمكان البحر أن يكون أيضاً قبراً للبعض ممن حاولوا اجتيازه. فالبحر أصبح مقبرة بلا شواهد. إلا أن كل الطرق تؤدي إلى البحر المتوسط، وكل الآمال متعلقة به. هو المارد الضخم الذي يقف سداً بين النور والظلام ويفصل البؤساء عن السعداء، أو هذا على الأقل ما يعتقده البعض ممن يريد أو أراد اجتيازه.

هناك مقولة للشاعر "جبران خليل جبران" تقول: "جميل أن تعطي من يسألك ما هو بحاجة إليه، ولكن ما هو أجمل من ذلك هو أن تعطي من لا يسألك وأنت تعرف حاجته". وهذا ما تفعله "ملائكة البحر المتوسط"، مثل "كارولا راكيت" القبطانة الألمانية التي أثار مؤخراً إنقاذها أربعين مهاجراً كانوا قد قضوا سبعة عشر يوماً في البحر، ضجة كبيرة في أوروبا. كارولا التي عاشت في أمريكا الجنوبية عندما كانت طفلة، جعلتها تجربتها في تلك البلدان تدرك مقدار النعم التي عاشتها وتعيشها كألمانية وأوروبية، وهذا مادفعها إلى تقديم ماتستطيع تقديمه لمن حرم من هذه النعم.

عقب سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين عام 1989، قررت دول أوروبية الاتفاق على قيم نبذ العنف وإنهاء الحروب، وإرساء الديمقراطية وحكم القانون والمساواة. وأرادوا نشر قيمهم الأوروبية بين باقي دول العالم. بكارولا تلك ومن يشبهها فقط، تبقى هذه القيم ساطعة، على الرغم مما يشهده هذا الوقت من محاولات البعض لأن تغرب الشمس عن وجه أوروبا الجميل.