هل أريد حقّاً أن أصبح هولندياً؟

, حازم درويش

"كلّما اندمجت أكثر في المجتمع الهولندي، كلّما قلّ اندماجي وأدركتُ حدود هذا الاندماج. لربما في يومي الأوّل في هولندا كنتُ هولندياً أكثر بكثير مما أنا عليه الآن. كلّ يوم في هولندا أرى جيداً كما أنّني سوري، أكثر مما كنت في سوريا."

هذا ما كتبته الأسبوع الماضي على تويتر وأنا انتظر في مطار روتردام طيارتي التي ستقلّني إلى لشبونة. شعوري بالغربة في ذلك اليوم قد وصل أوجه. كل محاولاتي للاندماج في هذا البلد فشلت. تعلمت اللغة، وجدت عملاً، أنهيت امتحانات اندماجي وعمّا قليل أحوز الجنسية الهولندية، لكنّي في المقابل لا أشعر نفسي هولندياً إطلاقاً، ولو بأقلّ القليل. كلمّا تعمّقت في اندماجي أكثر، كلمّا وجدتُ نفسي غريباً عن هذا المجتمع.

دفء حياتنا في سوريا، سهراتنا التي تصل الليل بالصباح، أبوابنا المفتوحة للحياة بدون مواعيد، شغفنا بالحبّ والكلام والأكل ورغبة هائلة بالعيش بعمق. حزننا كبير، عشقنا هائل وأفراحنا تبدأ كأنّها لا تنتهي. هذا كلّه ما أنا عليه. هذا كلّه ما لا يستطيعه الهولنديون الذين رسموا لكلّ شيء حدوداً واضحة لا يمكن لهم أو لأي أحد في محيطهم تخطيها.

"هنا في أقلّ من ثلاث سنوات استطعت عيش وتحقيق ما عجزتُ عمراً كاملاً في الوصول إليه في سوريا. لكن هذا شيء وأنّي أشعر أنّ هولندا وطني شيء آخر!"

هذا لا يعني أنّي أنكر التطور الذي تعيشه هذه البلاد إن تقنياً أو في مجال الحريات واحترام القانون. ما وصلت إليه هولندا في هذا المجال يصلح لأن يكون قدوة عالمية، و قد تمرّ أجيال عديدة قبل أن نجد له مثيلاً في سوريا يوماً ما. خاصةً وأنّ الحرية التي حصلتُ عليها في هولندا، أطلقت كل مواهبي الدفينة وساعدتني في تحقيق كلّ أحلامي. هنا في أقلّ من ثلاث سنوات أستطعت عيش وتحقيق ما عجزتُ عمراً كاملاً في الوصول إليه في سوريا. لكن هذا شيء وأنّي أشعر أنّ هولندا وطني شيء آخر!

وما زاد في صعوبة الأمر أنّي في رحلة الأخيرة إلى إسطنبول قبل أشهر لزيارة أهلي، لم أتعرّف نفسي هناك. وجدتني غريباً في المدينة التي عشتُ وأحببت، كما بين أهلي. كلّ عادات الناس هناك كانت غريبة. لم أصدّق اللحظة التي انتهت فيها إجازتي هناك وعدتُ إلى زفولا. حين وصلت إلى المدينة أحسستُ بحريّة وأمان لم أعشه إلا في هذا البلد وهذه المدينة. أحسستُ حقّاً أنّي في بيتي.  

"لا أحد يستطيع الاندماج. فحتّى الملكة ماكسيما لن تصبح إطلاقاً هولندية. دمها الأرجنتيني هو السبب. وأنا ستظلّ جذوري في سوريا"

كتبت تغريدة الاندماج على تويتر وأغلقت هاتفي لأصعد طائرتي، ما أن نزلتُ في مطار لشبونة حتّى فوجئتُ بكمّ هائل من التعليقات الغنية والدافئة من هولنديين لا أعرفهم إطلاقاً، تعليقات لم أكن انتظرها بالمرّة وأظهرت كمّاً هائلاً من الألوان التي يحتويها المجتمع الهولندي والتي لم أصادفها على أرض الواقع بعد.

فقد دعاني بعض المعلقين إلى الفخر بكوني سورياً وإلى الالتزام بهذه الهوية مادام ذلك يناسبني، فهذا ما سيغني المجتمع الهولندي ويعطيه ألوان جديدة يحتاج إليها. فهولندا هي البلد التي تستطيع فيه كلّ الهويات العيش معاً، تتعلّم من بعضها وترى أجمل ما في الآخر. كمّا رحب الكثيرون بوجودي في بلدهم وشاركوني قصصهم الشخصية المشابهة وأكّد آخرون من ثنائي الثقافة أنّهم يمتلكون ذات الأحاسيس، رغم أنّهم ولدوا وعاشوا عمرهم كلّه في هولندا.

وذهبت إحداهن إلى تسمية الاندماج بالكذبة الكبيرة! فلا أحد يستطيع الاندماج. فحتّى الملكة ماكسيما لن تصبح إطلاقاً هولندية. دمها الأرجنتيني هو السبب. وأنا ستظلّ جذوري في سوريا، لذا عليّ أن أعيش كما أنا وأن أنسى قصة الاندماج. فشخصية الهولندي العادي منذ قرون وهي تتغيّر وستظلّ تتغيّر، وكلّ قادم جديد يساهم في ذلك، وهذا شيء جميل، كما كتب أحدهم.

"هناك طرق مختلفة ليكون الواحد هولندياً"

منذ نشر هذه التعليقات وأنا أعيد قراءتها كلّ يوم. لقد امتلكت معها نظرة غنية ومختلفة عن المجتمع الهولندي وعن نظرته للقادمين الجدد وما ينتظره منهم. فأنا لازلتُ في محاولة تعرّف نفسي التي أصبحت عليها في هذه البلاد. أنا ذلك السوري الذي رُبّي على كلّ أنواع الدفء والشغف بالحياة منذ نعومة أظفاره في حلب، لكنّي أيضاً ذلك الهولندي الحرّ الآمن الذي يستطيع أن يكون ما هو عليه ويحترم مساحات لآخرين وآراءهم وحرياتهم.

إذاً، كلّ يوم هنا أشعر نفسي سورياً أكثر، لكنّي في نفس أصبح هولندياً أكثر مما أعتقد. خاصةً وأنّ "هناك طرق مختلفة ليكون الواحد هولندياً"، كما كتبت الصحافية إنيير ستوكينك. من بينها أن يكون دافئاً جدّاً... على تويتر!