لقد قرأت الكثير من الكتب، والروايات عن قصص السفر والترحال. وشاهدت أيضاً الكثير من الأفلام، كان بعضها مثيراً، خطيراً، ومرعباً. والبعض الأخر كان مليئاً بالحب والمغامرة مثل فيلم تايتنك. لقد شاهدت هذا الفيلم عدة مرات، ولكن لم أتخيل يوماً أنني سأعيش مغامرة مثل تلك التي خاضها جاك (بطل الفيلم).

كانت التايتنك تسمى سفينة الأحلام، كما قالت روز (بطلة الفيلم). وكذلك كانت سفينتي. ففي تلك الليلة وضعنا أحلامنا وآمالنا قبل أجسادنا على ظهر تلك السفينة. ولم نلتفت إطلاقاً نحو الخلف. كانت أعيننا مشدودة نحو الغرب. نحو مستقبل واعد بعيداً عن الحروب والدماء، وحياة جديدة نتذوق فيها طعم الاستقرار وراحة البال.

يبدأ فيلم التايتنك بالبحث عن قلادة. كانت تلك القلادة تحتوي على ماسة زرقاء كبيرة على شكل قلب، وتقدر بملايين الدولارات. لكن رحلتي بدأت بالبحث عن حياة جديدة، لا تقدربأي ثمن. من المستحيل أن أنسى تلك الليلة ما حييت. كان القمر بدراً مكتملاً. ينشر ضوءه في كل مكان وكأنه يبذل أقصى طاقته لكي يضئ ليلتنا الأخيرة في الشرق. كان قريباً جداً من الأرض، أحسست أني لو مددت يدي للمسته من شدة قربه. كنت أجلس في مقدمة السفينة، كنت بحاجة ماسة لأن أبقى وحيداً، أنا والقمر. لا ثالث يعكر ليلتنا. حتى البحر كان هادئ لدرجة السكون، وكأنه قطعة واحدة مستوية أستواء لوحٍ زجاجي مصقول. يعكس وجه القمر عليه دون أن يعكر صفو الصورة أية موجة تائهة أو حتى أي سمكة صغيرة.

في اللحظات الأخيرة قبل مغادرة التايتنك، فاز جاك بتذاكر السفرعن طريق لعب القمار. حينها قرر مغادرة لندن باتجاه نيويورك لكي يبدأ حياة جديدة. كان القرار وليد اللحظة غير مخطط له. أما أنا وأخي فقد كان علينا أن ندفع كل ما نملك للحصول على فرصة لحياة جديدة. نعم قد تتشابه الأهداف ولكن تختلف الأسباب.

كانت التايتنك تتألف من ثلاثة طوابق، الأول للأثرياء، أما الثاني للطبقة المتوسطة، والثالث للفقراء. لقد كانت الفوارق الطبقية تفرقهم ولكن كانت السعادة هي القاسم المشترك بين تلك الطبقات. حين صعد جاك على ظهر السفينة، قال لصديقه بأنهم أوفر الناس حظاً على وجه الأرض، لأنهم حصلوا على تلك الفرصة. كانت الأبتسامة عريضة على وجه ذاك الشاب الأشقر

. جلست أتأمل وجوه الناس، لم أستطع أبداً فهم تعابير وجوههم. لم تكن اطلاقاً تعابير فرح أو سعادة. هل كانت حزن؟ أم ندم؟ أعتقد بأنها كانت تعابير صدمة، أوحالة من عدم القدرة على استيعاب الواقع

توفيق موسى

سفينة أحلامي كانت عبارة عن سفينة صيد كبيرة وقديمة. مؤلفة من طابق واحد، للمقهورين والمهجرين والمظلومين والمنفيين. في منتصف السفينة حجرتان، يبدو أن الصيادين كانوا يخزنون السمك فيها. لا أسِرة أومقاعد للنوم أو الجلوس، فما عليك الا أن تجلس أوتنام على أرضية السفينة. كان هناك مئتان وتسع وسبعون لاجئ على ظهر تلك السفينة. حين صعدنا على ظهر السفينة، أحسست بأنني محظوظ أيضاً مثل جاك.  لم لا؟ فقد أتيحت لي فرصة الهرب من الجحيم. ولكن لم ترتسم تلك الابتسامة على وجهي. فجاك قرر العودة الى وطنه، أما أنا فقد قررت مغادرة وطني.

أعلن القبطان بدأ الرحلة. وبدأت السفينة تشق طريقها وسط البحر بإتجاه الغرب. جلست أتأمل وجوه الناس، لم أستطع أبداً فهم تعابير وجوههم. لم تكن اطلاقاً تعابير فرح أو سعادة. هل كانت حزن؟ أم ندم؟ أعتقد بأنها كانت تعابير صدمة، أوحالة من عدم القدرة على استيعاب الواقع.

رة عن سفينة صيد كبيرة وقديمة. مؤلفة من طابق واحد، للمقهورين والمهجرين والمظلومين والمنفيين

توفيق موسى

حل الظلام،  سمعت القبطان يقول لرفيقه: تعال وانظر الى هذا المشهد، لأنك لن تراه مرة أخرى. راودني الفضول لأرى ذلك المشهد أيضاً. ذهبت الى مؤخرة السفينة وصعدت الى مكان مرتفع، موجهاً نظري بإتجاه الشرق. لقد كانت أضواء مدينة اللاذقية، وكان ذلك بالفعل أخر مشهد رأيته لسوريا. حين رأيت ذلك المشهد أحسست بألم في صدري، كانت سوريا تبتعد رويداً، رويدا.. لا، لم تكن هي التي تبتعد، أدركت أنني أنا الذي كنت أبتعد عنها. كنت بحاجة للبكاء وقتها، أردت أن أبكي ولكني لم أستطع.
هل خفت من أن يرى الناس دموعي أو يسمعوا صوت بكائي؟ أم كان الشعور بالذنب؟ فأنا الذي هجرت وطني وتركته ورحلت. جلست شارداً.. طوال تلك الليلة.. كانت ليلة طويلة جداً.. ظننت أنها لن تنتهي أبدأً.
بعد مسير بضعة أيام كان الإرهاق قد بدا واضحاً على الوجوه، كانت الوجوه شاحبة، والعيون ذابلة مثل زهرة انقطع عنها الماء. لم يعتد أحد على دوار البحر، ولم يستطع أحد تناول الطعام...
بدأ الطقس يتغير، والرياح تهب، وموج البحر يرتفع.. وما إن حل الظلام حتى بدأ المطر يهطل بغزارة وبدأت الريح تعصف والأمواج ترتفع أكثر وأكثر.. استمر هذا الحال ليومين كاملين.. لم نستطع النوم حينها. كان علينا فقط أن نتشبث بأي شيء.. كان صوت بكاء الأطفال يملأ البحر طولاً وعرضاً. كانوا جوعى ومتعبين يريدون النوم ولكنهم لم يستطيعوا. أما أمهاتهم فكان حالهن الأسوء.. أتذكر امرأة كانت تبكي أكثر من أطفالها. فقد كانت متعبة غير قادرة على فعل شي ولم يكن بمقدورها حتى أن تتشبث. لقد خارت قواها وأصبحت غير قادرة على الوقوف أو الجلوس.
كانت مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. أحياناً لا أصدق أن ذلك حصل بالفعل.
كلما راودتني فكرة الغرق او الموت، حاولت أن أخرجها من رأسي بأي شكل كان. كنت أبدأ بحديث مع أي شخص يجلس بجانبي، أو أبدأ بالغناء. ولكن كلما نظرت في وجه أخي تذكرت زوجته التي كانت تنتظره. وتذكرت أمي وأبي اللذان لم أودعهما، على أمل اللقاء بهما يوماً ما.
في اليوم العاشر توقف المطر، وسكنت الريح. وهدأ البحر، واختفت ملامح تلك العاصفة، وبدأت الشمس بإرسال خيوطها الذهبية محاولة نشر الدفء بيننا. كنا متعبين حقاً.. ولكن الجميع صعد إلى سطح السفينة بحثاً عن الدفئ والضوء.. كانت الدلافين تلهو بجانب السفينة، كانت أجمل من  تلك الدلافين التي كان جاك ينظر اليها وهي تتسابق مع التايتنك في بداية رحلتها، كان الأطفال سعيدون جداً برؤيتها.
التايتنك لم تصل الى وجهتها، ولا جاك أيضاً. أما القلادة فقد رمتها روز في عرض البحر.  ولكن سفينتي وصلت سالمة. وها أنا أبدأ حياة جديدة، وأروي لك قصتي، قصتي التي ستكون أيضاً مشروع فيلم ذات يوم.