أوجدت جائحة كورونا أكبر انقطاع في نظم التعليم بهولندا، مما تركت أثارا سلبية على حياة القادمين الجدد وأعاقت عملية اندماجهم في المجتمع الهولندي. ففي ظل الإجراءات المشددة لاحتواء الفيروس، أصبح طالبي اللجوء في البلاد معزولين إلى حد ما وغير قادرين على الانخراط في عملية الاندماج.

وبينما مثل إغلاق المدارس حلًا منطقيًا لفرض التباعد الاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، إلا أن إغلاق مدارس اللغة لفترات طويلة، وفقا لعدد من الوافدين الجدد، ضاعف أزمتهم المتعلقة بالاندماج. كما لم يلبي نظام التعليم عن بعد طموحات وتوقعات القادمين الجدد في تعلم اللغة الهولندية، بل ضاعف من صعوبة تعلمها و قوّض عملية المشاركة والاندماج في المجتمع الهولندي. إذ ساهم في انخفاض الفرص المقدمة للوافدين الجدد، كالعمل مدفوع الثمن، العمل التطوعي و التدريب المهني.

تتأتى أهمية اللغة الهولندية، بالنسبة للشابة السورية دانيا خضرو (27 عاما)، من صلتها الوطيدة بعملية الإندماج والتأقلم في المجتمع. وفقا لها تشكل اللغة الهولندية، إحدى أهم الشروط الأساسية لعملية التكامل في هولندا، باعتبارها أداة وصل بين الوافدين الجدد و المجتمع. على الرغم من متابعتة دانيا عدة دورات لغة في مدرسة Nedles، لكنها انقطعت عن مواصلة التعلم عقب تبني المدرسة نظام التدريس عبر الإنترنت خلال موجة كورونا الأولى كحل لاحتواء تفشي الفيروس. 

دانيا عبرت عن الضغوط النفسية، القلق والاكتئاب الذي اعتراها عند متابعتها دروس اللغة عبر الإنترنت لفترة قصيرة أثناء الموجة الأولى من تفشي الوباء. "حاولت أن أحضر صفوف اللغة عبر الإنترنت، لكنه كان صعبا للغاية." خضرو عزت ذلك، إلى عدم التواصل والتفاعل المباشرين بين الأساتذة والطلاب. "التواصل الاجتماعي يساهم في تكامل عملية الاندماج و يسهل تعلم اللغة الهولندية عبر ممارستها مع الآخرين". 

وفقا لدانيا، لا يمكن للوافد الجديد أن يتعلم اللغة، ينخرط في المجتمع، يجد عملا، يبني شبكة علاقات إجتماعية فعالة وبالتالي يعيد إدماج نفسه بالمجتمع الهولندي ويتأقلم معه، في ظل قواعد التباعد الاجتماعي و مجتمع المتر والنصف.

في المقابل، أبدى الشاب السوري حسن سكيكر (25 عامًا) شيء من التفاؤل إزاء جدوى نظام التعليم عن بعد. إذ وصف النظام ب " المنصة التعليمية" للمستقبل.  وقال سكيكر، "كورونا تحولت إلى فرصة و ساحة اختبار لتطبيق نظام التعليم عبر الإنترنت في معظم الدول المتقدمة." كما أن هذا النظام أتاح إمكانية كبيرة لمواصلة التعلم عند إغلاق المدارس قبل أشهر.

أما فيما يتعلق بدورات التكامل والاندماج، يرى حسن بأن كورونا أثرت بشكل كبير على هذه العملية لدى القادمين الجدد. فعلى الرغم من تميز هولندا بتعزيزها للتدريب المهني والعمل التطوعي في أوساطهم بغية إعادة تأهيلهم مهنياً للدخول في المعاهد، المؤسسات والشركات الهولندية، فأن هذا الخيار لم يعد متاحا منذ تفشي الوباء في البلاد.

يتابع سكيكر دراسته، إدارة الأعمال، في جامعة أمستردام للعلوم التطبيقية عبر الإنترنت. إذ أكد بأن الجامعة ستحتفظ بنظام التعليم عبر النت حتى بعد التخلص من فيروس كورونا. "معظم الجامعات شيدت نظام دراسي فعال عبر الإنترنت، وستحتفظ بجزء من ذلك على الأقل".
 

لا ترى Renske Berns، مدرسة اللغة في مدرسة Nedles، نظام التدريس عن بعد في ظل هذه الظروف أمرًا مثاليًا، إلا أن للضرورة أحكامها، على حد وصفها. إذ قالت، "لا يجب إلغاء التعليم بسبب إغلاق المدارس".

وفقا لها، يعمل التدريس عن بعد بفعالية كبيرة للأشخاص الذين يمكنهم التعامل مع التكنولوجيا، المتعلمين، أصحاب الخبرة الجيدة في التعلم عبر الإنترنت والأشخاص الذين يعيشون في أماكن نائية. "بسبب هذا النظام أصبح لدينا طلاب من خارج هولندا". أما النظام ذاته يعمل بشكل عكسي بالنسبة للكثير من القادمين الجدد. لاسيما اولئك الذين لا يستسيغون التعلم في المنزل و يستصعبون التركيز لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات متتالية. 

تشكل اللغة الهولندية بالنسبة للكثير العقبة الأساسية أمام الاندماج نظراً لصعوبة تعلمها واستساغتها. فالنسبة لRenske، ساهمت أزمة كورونا في مضاعفة هذه الإشكالية. وكنتيجة لذلك، يتمتع الطلاب بفرص أقل لممارسة اللغة الهولندية في الحياة اليومية جراء الحجر المنزلي وقواعد احتواء تفشي كورونا مما يحد من فرص اتقان اللغة وبالتالي الانخراط في المجتمع الهولندي. كما لعبت جائحة كوفيد-19 دورا بارزا في مجمل الحياة اليومية للوافدين الجدد. إذ ترى Renske، بأن قواعد كورونا شكلت تحدي كبير للقادمين الجدد. فمن جهة يتوجب عليهم العيش من بلد جديد، ومن جهة أخرى لا يمكنهم تكوين صداقات وبناء شبكة علاقات اجتماعية مع الهولنديين.

وفي مقارنة الفترة الحالية مع بداية تفشي وباء كورونا، قالت المعلمة Renske،" عندما دخلت هولندا في حجر صحي خلال الموجة الأولى من تفشي الفيروس، ألغى أغلب الطلاب تسجليهم بدورات اللغة بسبب نظام التدريس عن بعد. لكن الآن اعتاد معظمهم على هذا النظام والكثير منهم قرر مواصلة التعليم". وتوقعت أن تبقي معظم مدارس اللغة على خيار التدريس عن بعد حتى بعد التخلص من الفيروس.