أضحى المواطن الشرق أوسطي الذي اعتاد أن يرهن سلوكياته وعمله على إرشادات الآخرين وتوجيهاتهم، الأكثر عرضة للإصابة بداء نظرية المؤامرة. حيث تتمسك مجتمعات الشرق الأوسط، بما فيها الزعماء والسياسيين وبعض مفكريهم، بنظرية المؤامرة كعلاج لعجزها على إيجاد حلول للازمة الراهنة أو حتى استيعابها. فترمي جميع مصائبها على شماعة "الآخر"، غربيا كان أم شرقيا. أزمة كورونا عمقت هذه الحالة النفسية لدى المواطن الشرق أوسطي، مما انعكست على اللاجئ الأوروبي غير المنسلخ عن تلك المجتمعات. فهو مازال يفكر في ذات النهج والطريقة، ويبحث في ذات المصادر لمعرفة ما يدور في البلد الذي يقيم فيه.

 

وبالنظر إلى، تأثير نظريات المؤامرة، تاريخيا، على مجريات الأحداث في عديد من المجالات. فقد تترك مؤامرة كورونا، الاثر ذاته على المنظومة الدولية ومسار عملها، لاسيما إذا ما نظرنا التجاذبات الصينية-الغربية. 

فالصين ربطت، الفيروس بالجنود الأمريكيين المشاركين في الألعاب العالمية العسكرية لعام 2019 في مدينة ووهان، مما استدعى ردا أمريكيا تجلى بإصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على إطلاق تسمية "الفيروس الصيني" على الجائحة. تؤكد واشنطن على أن الفيروس، نتيجة لجهود الصين الحثيثة لتطوير السلاح البيولوجي. 

تتخذ هذه التجاذبات الدولية مسارا تصاعديا خطيرا دون تقديم أي منها تفسير علمي لظهور كورونا، تنافي تلك التي تعتبره ناتجا عن الطبيعة. 

ليس بالأمر الغريب أن يبعث انتشار فيروس كورونا نظرية المؤامرة من رقادها، ليدخل هذا الوباء العالمي ضمن دوامة المؤامرة التي لا تنتهي. ففكرة المؤامرة كانت حاضرة باستمرار في مسار التاريخ.  

وفقا ل Agenta Fischer، أستاذة محاضرة في جامعة أمستردام، نظرية المؤامرة عامل مساعد للمجتمع على استيعاب الأحداث التي تقع من حوله. لاسيما عند بلوغه مرحلة العجز والحاجة الماسة إلى الحماية. فضلا عن الشعور بالقلق وفقدان السيطرة. 

وتساهم نظرية المؤامرة في تحويل حالة العجز وفقدان السيطرة إلى قوة لدى المجتمعات. فهي سبيل العاجز الذي لا حيلة له لاستيعاب المرحلة وملجأ الضعفاء في نهاية المطاف.

تتجلى النزعة التفسيرية التآمرية في عدم اليقين بالصدفة، اختلاف ظاهر الأشياء عن حقيقتها الجوهرية و الربط التسلسلي للأشياء، على حد وصف مايكل باركون أستاذ العلوم السياسية في نيويورك.

مما لاشك فيه، تنمو نظرية المؤامرة لدى المجتمعات المحكومة بواقع أنظمة ديكتاتورية التي لا تتمتع بالحد الأدنى من الشفافية لاسيما في أزمة كورونا. فعندما استبعد المتحدث بإسم وزارة الصحة الإيرانية احتمالية تفشي كورونا في أوساط المجتمع، سرعان ما تبين، إصابة المئات في إيران، من بينهم المتحدث ذاته.

في مقارنة مع الأنظمة الديمقراطية أو تلك التي تتمتع بالحد الأدنى من الشفافية، تنخفض نسبة معتنقي مذهب "المؤامرة الكونية" كنتيجة لثقة المواطن بأداء حكومته إزاء كورونا. 

كما يلعب الإعلام دورا محوريا في تغذية نظريات المؤامرة. فحول الإعلام الدولي فيروس كورونا إلى مادة للتراشق الإعلامي بين الدول. فبالنظر للتجاذبات الدولية، يتجلى دور الإعلام ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي، في تكريس الشائعات حول كورونا واستغلالها في إطار دعاية سياسية زاعمة أن الفيروس سلاح بيولوجي لا وباء طبيعي. فقد انتشرت في بريطانيا شائعات حول تأثيرات شبكة 5G في انتشار فيروس كورونا المستجد، مما انعكس سلبا على أداء شركات الاتصالات. وذلك قبل أن ينهي العلم الجدل القائم بين مؤيدو ومعارضو 5G عبر نفي تأثيره على صحة البشرية.

ويعتبر الفيلسوف النمساوي Karl Popper، المستوى الثقافي، العلمي وحتى التطرف الديني حافزا أساسيا في نشأة ونمو نظرية المؤامرة لدى المجتمعات. حيث يزدهر خطاب المؤامرة لدى الفئة الأقل تعليما والأكثر تطرفا، ويصبح تفسيراً رائجاً يلقى بعض القبول، وأحياناً يغلف بعباءة منطقية. 

كحل أساسي للتخلص من الشعور بالمؤامرة، يؤكد خبراء على ضرورة التسليم لعدم استيعاب الوباء المتفشي في أوساط المجتمعات. حيث يجب أن تستند الآراء على معطيات واقعية علمية، لا على مشاعر غريزية، أو تجاذبات سياسية دولية معقدة.