لم يشهد العالم تحدياً اكبر من فيروس كورونا منذ الحرب العالمية الثانية، بل يرى مراقبون، ان تهديد كورونا، فاق بتأثيره تأثير الحرب العالمية الثانية على الحياة العامة في العمق والشمول. حيث تعدى انتشار العدوى الحُدود الجُغرافية لبلد المنشأ، ليَشمل جميع أنحاء العالم وليَفرِض على الدول مجموعة قواعد صارمة تتوخى عدم تفشيه القاتل بين البشر. فقد لم يكن من المتوقع ان تحبس حكومات بلدان ديمقراطية شعوبها في البيوت، كما هو الحال في ايطاليا او فرنسا، و أن ينظر مواطنوها ازاء ذلك، بعين الرضى، غير مكترثين للغرامات المالية الباهظة التي تفرضها هذه الحكومات على مخترقي "حظر التجول".

تداعيات كورونا تركت الأثر العميق على إقتصاديات البلدان لتفرض حالة كساد اقتصادي غير مسبوق في التاريخ الحديث من حيث أبعادها، واضعة الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية. كما انها خلفت الأثر ذاته على مجمل الحياة والعلاقات الاجتماعية، اتضحت مخاطرها عبر تفشي حالة من الهيستريا والفزع غير المبررين والسلوكيات غير المعتادة، كتهافت مجموعات كبيرة من السكان على المتاجر الكبرى بهدف اكتناز اكبر قدر ممكن من الحاجيات الغذائية أدوات التنظيف.

على صعيد هولندا، داهمت أزمة كورونا الحياة الاجتماعية لتشل الحركة في الأماكن العامة وتفرض واقعاً جديداً على المتجمع الهولندي، درج على تسميته بمجتمع "المتر والنصف". إذ حتمت الحكومة الهولندية على المتجمع بضرورة الالتزام بمسافة لا تقل عن المتر والنصف بغية الحد من انتشار العدوى. كما ادى إغلاق المحلات والمطاعم والشركات إلى خسائر مالية بالغة، فضلاً عن تصدع المنظومة الاقتصادية، مما انعكس بشكل ملحوظ على المواطنين، تجلى ذلك بتوالي الإحصائيات المتعلقة بارتفاع نسبة البطالة على نحو مقلق.

كورونا والقادمون الجدد:

كجزء اساسي من المجتمع الهولندي، ترك الفايروس تداعياته البالغة على اللاجئين والقادمين الجدد في هولندا بتوقف الحياة بشكل مؤقت. فلا دراسة ولا عمل ينشغلون به، ولا يعرف احد منهم ماذا يمكنه فعله، قلق واضطراب وخوف من المجهول وتساؤلات كثيرة تراودهم لا اجابة لها، وفقاً لشاهدات البعض منهم.

ويهيمن موضوع كورونا على نقاشات القادمين الجدد على وسائل التواصل الاجتماعي في هولندا أيضاً. يؤكد عدد منهم على خسارتهم لوظائفهم بسبب إغلاق الشركات والمطاعم. فعلى الرغم من ان هولندا تتميز من ناحية فرضها إجراءات تتسم بالمرونة شيء ما مقارنة بدول أوروبا، إلا أن جزء من اللاجئين أبدوا صعوبةً في التقيّد بهذه الضوابط المفروضة عليهم والتكيف معها.

على النقيض من ذلك، عبّر آخرون عن ارتياحهم تجاه مرونة الإجراءات الوقائية المتخذة، والقدرة على احتواء الفيروس في أوساط المتجمع.

اللجوء في زمن كورونا:


في الوقت الذي يتخوف العالم من انتشار واسع لفيروس كورونا، تشتد ازمة اللاجئين على الحدود التركية-اليونانية؛ مما يفرض تحدياً جديداً على الدول الأوروبية، يعيد بذلك تكرار سيناريو موجة اللجوء عام ٢٠١٥، الذي فرض "عبئاً ثقيلاً" عليها من ناحية قدرتها الاستيعابية وقيامها باغلاق حدودها واحكام السيطرة عليها.

فقد احتشد آلاف اللاجئين عند الحدود التركية-اليونانية عقب فتح أنقرة حدودها مع اليونان، ليشقوا طريقهم نحو الوصول إلى "الفردوس الأوروبي". إلا أنهم لم يجدو أمامهم سوى الشرطة اليونانية وتعاطيها العنيف واستخدامها المفرط للمسيل للدموع والقنابل الصوتية والضرب لتفريق أعداد متزايدة من المهاجرين وعرقلة مسارهم نحو أوروبا. الأمر الذي جعل أعداداً كبيرة من اللاجئين عالقين بين المطرقة التركية والسندان اليوناني. أثناء جائحة كورونا، يصبح اللاجئ المشرد على حدود الأوطان، أكثر عرضة لخطر الإصابة بالعدوى من غيره. 
ففي هولندا كما في دول أخرى، تبلغ أزمة كورونا ذروتها بالنسبة للقادمين الجدد و المشردين ومن لا مأوى لهم، حيث لا إمكانية لتطبيق "مجتمع المتر والنصف" جراء ضيق السكن في مراكز إيواء اللاجئين والمشردين.

أخيراً وليس آخراً، يقع الرِّهان الحقيقي اليوم على عاتق المواطن، على وعيه بتداعيات الأزمة وضرورة احترام التدابير الوقائية لحماية نفسه أولاً وبقية المجتمع ثانياً. فالوعي المُجتمعي بمشكلات المرحلة الراهنة هو أساس معالجة الأزمة والتغلب عليها.