يقال أنك قد أصبحت زائراً رسمياً في سوريا. أنا أعلم أنك كنت هناك قبل ذلك، وأنك دخلت البلاد من غير دعوة ومن دون تأشيرة دخول. الصور والأخبار التي نُشرت قبل الإعلان الرسمي عن وجودك أثبتت أنك بدأت في الإيقاع بالسوريين.

عندما كنت في سوريا وقبل الحرب، لم أكن أخاف من الموت بسبب فيروس أو وباء. كل ماكنت أتمناه ان أموت على فراشي وأنا نائم من دون أية آلام. ولكنني كنت أعتقد جازماً بأنني سأموت بالسرطان، هذه ليست رغبة أو أمنية، ولكن لأنني ولدت في منطقة اختارها نائب سابق لحافظ الأسد لكي يدفن فيها نفايات نووية قادمة من خارج سوريا في ثمانينات القرن الماضي. أقرباء لي ماتوا بالسرطان، ولذلك كنت أعتقد بأن مصيري سيكون مثلهم.

شاءت الأقدار أن أترك وأنا صغير قريتي التي تطل على طرف الصحراء، لكي أعيش مع أسرتي في حلب. حلب التي أحببتها فيما بعد أكثر من أي مدينة أخرى. ربما قرأتِ يوماً عن تاريخ حلب، وربما لا لأنك فيروس جديد طائش، حديث السن. ولكن سأقص عليك ما هو ضمن اختصاصك كفيروس. حلب المدينة التي كانت تتباهى بنفسها أمام باقي المدن الأخرى، كان لا يمر عقدٌ عليها إلا ويصيبها وباءٌ يحصد أرواح الآلاف من سكانها.  في زلزال 1822 الشهير، انتشر «الطاعون» بشكل رهيب في المدينة. كان ضربة قاصمة للمدينة التي لم تستطع النهوض ومحو آثار هذه الكارثة قبل عشرات السنين. الزلزال دمر ثلثي المدينة ومات أكثر من خمس وعشرين ألف شخص، أي ربع أو ثلث سكان المدينة تقريباً. إن أي قراءة لتاريخ حلب، قد تعني بشكل أو بآخر قراءة لتاريخ الأوبئة. فيما بعد كان الكوليرا زائراً سنوياً يحصد أرواح الكثيرين. ولكنه ضعف فيما بعد، إلا أنني أذكر شذرات قصية في ذاكرتي عندما كان يتم الحديث عن الكوليرا في حلب وتحذيرنا منها في المدارس، وضرورة الاهتمام بالنظافة العامة.

فيما بعد سارت الأمور على خير، لم تحصل جائحة خطيرة في سوريا أو في حلب. إلى أن حدثت الثورة السورية عام 2011 وامتدت إلى حلب. قبل ذلك، كان النظام السوري يتفاخر بأن النظام الصحي لدينا ممتاز وبأن الطبابة مجانية. قد يكون ذلك صحيحاً في جانب منه، ولكنه خاطئ في جوانب أخرى. الفساد ياصديقي، عم كل شيء. لقد عملت في مشفى حلب الجامعي لمدة ثلاث سنوات. وهو يعد المشفى الأكبر بين مشافي المحافظات الشمالية والشمالية الشرقية في سوريا. على الرغم من توفر الأجهزة والخدمات وتوفر الكوادر الطبية الخبيرة، كان الفساد والخوف موجودين. ومثالاً على ذلك، كان هناك طبيب جراح وكان حينها مرشحاً لأن يصبح وزيراً للصحة في الحكومة. كان دائماً يدخل جناح العمليات ويدخن غليونه ذو الرائحة الطيبة في غرفة استراحة الأطباء. دخان الغليون كان يتسلل إلى داخل غرف العمليات القريبة. إلا أن أحداً لم يجرؤ أن يطلب منه التوقف عن التدخين.

بعد اشتداد المعارك في حلب، أصبح الوضع الصحي سيئاً جداً. في عام 2013 انتشر بين الأطفال اللشمانيا، واحتل وجوه وأيدي الكثيرين منهم. حينها حاولنا قدر الإمكان كبح سرعة انتشار هذا المرض الطفيلي كما يحاولون اليوم إبطاء حركتك. ولكن مع تدمير المشافي والعيادات وعدم توفر كهرباء ومياه نظيفة كان الوضع جحيماً.

 إذا كنت مصراً على مهاجمة السوريين، فبإمكانك أن تكون رفيع الشأن وتهاجم فقط من يستلم السلطة في البلاد، هؤلاء أخطر منك ولديهم إمكانيات فتاكة أكثر منك. 

وها أنت الآن تدخل سوريا، في ظل بنية تحتية صحية مدمرة، وانتشار لمخيمات مكتظة باللاجئين ومتلاصقة ببعضها البعض. تقارير دولية ذكرت أن انتشار الفيروس في سوريا قد يؤدي إلى كارثة إنسانية كبيرة. الناس هناك لن يجدوا من يهتم بهم. ولذلك، أتمنى عليك أن تكون لطيفاً مع هؤلاء الناس. لا تقتل من ما يزال حياً في هذه الحرب. إذا كنت مصراً على مهاجمة السوريين، فبإمكانك أن تكون رفيع الشأن وتهاجم فقط من يستلم السلطة في البلاد، هؤلاء أخطر منك ولديهم إمكانيات فتاكة أكثر منك. أرفع من شأنك وهاجمهم يا عزيزي وأفرض احترامك عليهم. ولا تكن فيروساً تافهاً، وضيعاً، يهاجم سكان المخيمات، أو الناس الواقفة على طوابير الخبز.

لا داع لأن ترد على رسالتي هذه، وأتمنى أن لا تفعل وتبقى بعيداً عني. ولكن أتمنى أن أسمع أخباراً جيدة بأنك قد أصبحت فيروساً محترماً، ذا شأن وأنك تركت الضعفاء واستلمت الأقوياء.

تحياتي.