"لو بس الملك يتدخل ويحل مشكلة تأخر الإقامات بكون كتير منيح" هذا ماقاله لي والدي في آخر اتصال لنا. أبو بدر كما يُحب أن يلقّب، والذي يعيش في نايمِخن منذ سنتين، هو مايزال يعتقد بأنّ الملك الهولندي هو صاحب السلطة العليا في هذه البلاد رغم محاولاتي المتكررة لشرح أنّ الملك هو منصب شرفي لا أكثر ولا أقل. بعد عدة دقائق من انتهاء الاتصال، لم استطع إلا أن أتعاطف بشدّة مع والدي. هو والملايين من السوريين بشكل خاص والعرب بشكل عام ترعرعوا وعاشوا على شعارات من قبيل الله سوريا بشار وبس أو الله الوطن الملك. فكرة وجود هذا القائد الجبّار السحري المطلق الصلاحيات الذي لايستطيع أحد محاسبته، مازالت موجودة في اللاوعي عند الكثيرين.

الديمقراطية هي كلمة فارغة من المعنى إذا لم نكن نعلم كيفية عمل هذا النظام في الحكم. أقول هذا لأن أبو بدر يعلم أن هولندا هي دولة ديمقراطية ولكن هذا لم يمنع أن سنواته الطويلة في العيش تحت حكم دكتاتوري لم تؤثر على محاكمته العقلية عندما اعتقد أن الملك يستطيع أن يتدخّل ويُعَجل في إجراءات الإقامة مثلاً. الديمقراطية بمفهومها البسيط تجعل الشعب هو مصدر كل السلطات وليس الملك أو الرئيس. تماماً على عكس مايحدث في دولنا العربية. ولكن هذه هي فقط البداية لنظام حكم أعمق وأكثر عدالة. الديمقراطية تستوعب بداخلها مظلة واسعة من نظم الإدارة كالمحاسبة والرقابة على أي مسؤول قام بفعل غير قانوني حتى ولو كان الملك نفسه.

إضافة لذلك، يُعتبر الانتقاد بكل أنواعه الساخر والبنّاء، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه السلطة الرابعة (الصحافة) بكل حرية وبعيداً عن أية ضغوط أو محسوبيات من أسس الديمقراطية. فمثلاً يسمح في هولندا بالسخرية من الملك على البرامج التلفزيونية. بمعنى آخر: الملك هو مواطن كغيره من المواطنين، له حقوقه وعليه واجبات تجاه المجتمع. تخيّل معي الآن برنامج ينتقد بشكل ساخر من الأسد أو أحد من أفراد عائلته على التلفزيون السوري. أعتقد بأن ابتسامة ساخرة قد ارتسمت على وجهك الآن وذلك لاستحالة حدوث شيء من هذا القبيل.

الدور الذي يلعبه الملك في نظام الحكم الهولندي تغيّر مع الوقت. مثلها مثل أي دولة في العالم، هولندا مرّت بفترات وبنظم حكم مختلفة. فطبعاً كانت هناك فترات كان الملك فيها هو صاحب الكلمة العليا، ولكن الآن الملك هو عبارة عن وجه شرفي للدولة الهولندية وليس لديه أية صلاحيات فعليّة. هولندا والعديد من المجتمعات الغربية اكتشفوا أن وضع كامل السلطة بيد شخص واحد هي خطوة أقل ما يقال عنها بأنها متهورة. غالباً ما سيستخدم هذا الشخص السلطة لمصلحته وليس لمصلحة الشعب.

مقارنة بسيطة بين سلطات بشار الأسد والملك فيليام بحسب الدستورين السوري والهولندي وسنرى أن الفروقات لا محدودة. فلقد أعطى الدستور السوري الجديد المشكل عام 2012 صلاحيات مطلقة للأسد من حيث السيطرة على السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وبموجبها شكّل الرئيس دولة عميقة، أدواتها المنفِّذة أجهزة استخبارات مرتبطة به، وهي ذات صلاحيات مطلقة ابتلعت الدولة لمصلحة الأسد وعائلته. إضافة لذلك، الأسد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، يستطيع شن أي حرب يريد أينما يشاء، حتى على شعبه كما يفعل الآن. في المقابل، أقسى ما يستطيع الملك الهولندي فعله هو أن يلقي خطاب أو كلمة ليعبّر عن رأيه تجاه مشكلة اجتماعية معينة.

أخيراً وليس آخراً من المفارقات اللامعدودة بين الملك الهولندي والأسد، أنّ أقارب الأسد ينتفعون ويستخدمون نفوذهم في كل المجالات وبشكل يفوق الخيال. كلنا نعلم مدى الاستحواذ التجاري والصناعي من قبل أولاد خالة الرئيس في السوق السورية مثلاً. حرفياً هم يتحكمون ويتلاعبون بالاقتصاد السوري كما يشاؤون. سوريا تحولت إلى شركة له ولأسرته وأقرباءه، وهي بالنسبة لهم مزرعة خاصة لجني الأرباح وزيادة الأرصدة، فهي سوريا الأسد. بينما على الكوكب الهولندي، يتلقى فقط الملك والملكة ماكسيما والأميرة بياتريكس بدلاً سنوياً وهو معفي من الضرائب، وذلك يثير كل عام جدلاً واسعاً على وسائل الإعلام الهولندية. في المقابل لا يتقاضى أقرباء الملك الهولندي أي رواتب من الدولة الهولندية ولا يتمتّعون بأي تمييز عن أي مواطن هولندي عادي. إنهم من أجل هولندا، بدلاً من ان تكون هولندا من أجلهم. هل يمكنك أن تشرح ذلك لمن يعتقد بأن الأسد الرئيس الأفضل على الإطلاق؟