منذ آذار 2011 وحتى الآن تغير الكثير في سوريا، كما غيرت سوريا الكثير في العالم. لكن ما أعرفه جيداً ويعرفه أغلب السوريين أن 2011 كان النقلة النوعية التي غيرت نظرتنا تجاه كل شيء. إحدى أروع اللافتات التي رفعت مع بداية انطلاق الاحتجاجات رداً على القمع الوحشي الذي انتهجه النظام ضد التظاهرات السلمية كانت "لم يُقتَل فينا إلا الخوف". من كان يصدق أن سوريا "مملكة الصمت" سوف تنتفض على خوفها؟

صرح بشار الأسد في 1 شباط 2011 بأنه لا مجال لحدوث تظاهرات في سوريا. قبل تصريحه هذا حاول البعض من النشطاء تنظيم وقفات احتجاجية خجولة تضامناً مع ثورات تونس ومصر وليبيا. في 5 شباط تمت الدعوة عبر الفيسبوك إلى "يوم الغضب السوري". لم يكن الفيسبوك حينها منتشراً بين السوريين. في ذلك اليوم كنت في حلب، تمت الدعوة إلى التظاهر في ساحة سعدالله الجابري. لم أصدق ذلك، قبل الموعد المحدد بساعة كنت بجانب الساحة. لم يكن هناك أية تجمع سوى انتشار أمني واضح. عيون عناصر الأمن كانت قلقة تراقب كل المارة وأيديهم مجهزة بالهراوات. لكن لم يحدث شيء حينها. كنت أتابع كالكثيرين ما يحصل في دمشق. كنت أشاهد على الجزيرة وعلى الفيسبوك تظاهرة حصلت في17 شباط داخل سوق الحريقة بدمشق احتجاجاً على إهانة شرطي لشاب. تساءلت حينها: هل هذا بوعزيزي سوريا؟ هناك ردد المتظاهرون لأول مرة "الشعب السوري ما بينذل". دعوات الغضب السوري لم تتوقف، تمت الدعوة إلى يوم غضب جديد في 15 آذار وحينها خرجت تظاهرة في الجامع الأموي تطالب بالحرية. بعدها اعتُقل أطفال درعا لكتابتهم شعارات مناهضة للنظام، وحينها خرجت أكبر التظاهرات.

على القنوات انتشرت صور لمعتصمين في الجامع العمري في درعا. ما لم أستطع استيعابه هو عندما اقتحم الأمن المسجد وأطلق الرصاص على المتعصمين. كنت إلى ذلك الوقت لا أصدق أن هناك سورياً بإمكانه قتل سوريين لا يتسلحون إلا بمطالبهم السلمية. لا أنسى ذلك الشاب في درعا حينما كان يصرخ على عنصر الأمن في الطرف المقابل من الشارع وهو يطلب منه ألا يطلق النار، ويذكره بأننا إخوة وأن من يقتل شعبه خائن.

رغم القمع والقتل الذي تعرضت له المدن الأولى الثائرة تولد شعور جديد لدى السوريين. فالسبحة كرت. بعد درعا ودمشق، جاء دور حمص، وإدلب، وبانياس وغيرها. الدعوات إلى التظاهرات لم تتوقف. كان البعض يتحدث عن أن الأحداث سوف تذهب بسرعة نحو الأسوأ وخصوصاً في حماه. حيث تحدث البعض متخوفاً أن حماه لن تبدأها سلمية، لأن لها ثأراً طويلاً مع النظام منذ الثمانينات. حماه كانت عاصية كنهرها. لكن ما حدث، أن حماه أخرجت تظاهرات من أجمل التظاهرات السورية. والتي شاركت فيها أنا نفسي.

من يذكر أول مظاهرة شارك بها؟ وأول هتاف له؟ والشعور الذي شعر به حينها؟ بالنسبة لي، تلك الأيام كانت الأجمل، شعورك بالتخلص من الخوف الجاثم على صدرك كان رائعاً، رؤيتك للناس التي تساعد بعضها البعض كانت مؤثرة. لا أنسى النكات التي أُطلقت خلال المظاهرات والدموع التي ذرفت. والصداقات التي نشأت حينها.

السوريون دفعوا الثمن الأغلى بين شعوب الربيع العربي ومطلبهم بإسقاط النظام لم يتحقق عملياً، لكنه سقط بالفعل من قلوب وعقول أغلبهم مع أول صرخة حرية وأول رصاصة أصابت صدر ثائر. إن خسارتك معركة لا يعني هزيمتك في الحرب. والانتصار لا يحسب بالأيام أو بحجم الدماء التي قدمت. الصراع ضد هذه الأنظمة هو صراع دائم وهو طريق تسير عليه الأجيال جيلاً بعد جيل. طريقٌ يبدأ معك وربما قد لا ينتهي مع أولادك. ولذلك "احمل معولك وتبعني".