أضحى التباعد الاجتماعي شكوى الكثيرين في ظل ما نمر به من ظروف حالية. يشكو لي أخي المقيم في فرنسا مستغرباً كيف أن كورونا قد قدر على فعل ما عجزت الحرب الطاحنة في سوريا عن فعله. مستذكراً أياماً كنا نخرج فيها من بيوتنا بالرغم من القصف و القنص و كل المخاطر التي كانت تحيط بنا من كل جانب. بينما تسخر أمي التي ما تزال في سوريا من إجراءات الحجر الصحي هنا. هي تعتقد أن ذلك رفاهية تفوق تصورها وتصور الناس هناك.

أما أنا فلا أعتقد أنه قد تغير الكثير بالنسبة لي، فما بعد الحجر لم يختلف عما سبقه بكثير. فلا عائلة لي هنا لأشعر بالفقد من غيابها و لا أصدقاء لي لنتبادل الزيارات. التباعد الإجتماعي كان حاضراً في حياتي من قبل أن تفكر الحكومة بفرضه. ولربما أصبح الغياب جزءاً لا يتجزأ منذ قدومي إلى هنا. ما تغيرعلي أثناء الحجر هو ازدياد وزني و شكل بطني الظاهر للأمام قليلا و هذا ما يشغل بالي الآن.

الحي الذي أسكنه حيٌ هادئٌ في أغلب الأحيان. تكاد لا تعرف من غادره نهائيا ومن أتى ليسكن فيه. أصوات الأطفال والمراهقين الذين يأتون ليلعبوا في الحديقة العامة خلف منزلي هو ما يكسر استمرارية ذاك الهدوء. يلعبون الكرة، يصرخون، يدخنون الحشيش وأحيانا يكتفون بإلصاق وجوههم بشاشات هواتفهم دون أية حركة، يقضون ساعة أو اثنتين من الوقت ومن ثم يغادرون، تاركين الحديقة من خلفهم للغربان و النوارس التي ازداد عددها مع انخفاض عدد زوار الحديقة في فترة الحجر. وأصبح بإمكانها أن تتحرك بحرية أكبر وأن تأكل بأمان ما نرميه لها أنا وجاري من خبز وتفاح. جاري يعيش وحيداً، لا يأتيه الكثير من الأصدقاء إلا أنه يلتقي ببعضهم قرب الكنيسة وسط القرية ليشربوا البيرة سويا و يدخنوا بهدوء. هو هولندي أصيل، وفيّ لتقاليد بلاده، يعلن صوت حذائه الهولندي الخشبي التقليدي الذي يُسمَع صوت طرقاته على الأرض في الحي عن ذلك. يعمل في حقول ومستودعات الورود المتناثرة في منطقتنا، يطرق بابي كل مدة من الوقت ليعطيني باقةً طازجة من التوليب. أشكره وأسأله عن صحته ونتبادل بضعة عبارات نكررها كل مرّة ومن ثم يذهب. هو أيضاً لا أعتقد بأن الحال قد تغير عليه كثيرا. ما زال يستيقظ في الصباح الباكر، وما زلت أسمع في تمام الساعة التاسعة والنصف مساءاً صوت شخيره المرتفع الآتي من شباك غرفة نومه الذي اعتاد تركه مفتوحا في الليالي الدافئة.

إن امتلاك قلب الهولندي لا يمر بالضرورة عن طريق معدته.

عندما قدمت لأسكن في منزلي قدم لي فراشاً أنام عليه إلى أن أشتري واحداً. كانت مبادرته هذه لطيفة جداً، إلا أن ذلك علمني أولى الدروس هنا وهو أن مساعدة جارك الهولندي لك لا تعني بأنكما ستصبحان صديقين. وبطريقتنا الشرقية المعتادة لبناء الصداقات بين الجيران قدمت له طبقاً سورياً شهياً. أعدت الكرّة مرةً أخرى مع طبقٍ أشهى ومن بعدها توقفت، لأنني عرفت حينها بأن امتلاك قلب الهولندي لا يمر بالضرورة عن طريق معدته.

مع مرور الوقت أصبح الأمر كما لو أن بيننا اتفاقٌ غير معلن حول قدسية واحترام هذه العزلة. ولكن مثلما محى انتشار الفيروس كل الفروقات تقريباً بين سكان الأرض، بين الأغنياء والفقراء، بين البيض والسود. اختفت أيضاً الفروقات بيني و بينه، أنا كقادم جديد وهو كهولندي من السكان الأصليين. أنا من الشرق وهو من الغرب. لا فروق بيننا. اثنان جمعتهما الصدفة واستطاعت العزلة أن تساوي بينهما.

اختفت أيضاً الفروقات بيني و بينه، أنا كقادم جديد وهو كهولندي من السكان الأصليين. أنا من الشرق وهو من الغرب. لا فروق بيننا. اثنان جمعتهما الصدفة واستطاعت العزلة أن تساوي بينهما.

لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لبقية سكان الحي. لا أعرف إذا كانوا هؤلاء هم الصورة المصغرة عن هولندا، ولا أعرف إن كانت العزلة هي ميزة هولندية وطنية إلى جانب الجبن والتوليب. ما أعرفه أن عزلتي هذه ليست عزلة اختيارية، وليست عزلة خلاقة كعزلة الأنبياء والفلاسفة. عزلتي هي عزلة يتوارثها الكثير من الغرباء في ديار غريبة. نربيها ونرعاها كقطة صغيرة في بيوتنا، تكون لطيفة أحياناً وهادئة حتى أننا أحياناً ننسى وجودها. لكنها تغضب، وتجرحنا بمخالبها عندما تستيقظ فينا ذكريات الماضي.