يصر الرئيس السوري بشار الأسد على استعادة السيطرة على كامل سوريا. وبالنسبة لإدلب، آخر قسم لا يسيطر عليه الأسد في سوريا، هذا يعني أزمة إنسانية تكبر في كل لحظة. فالمدنيون هناك عالقون بين مطرقة قوات النظام السوري الزاحفة وسندان الحدود التركية المغلقة.

لا تزال المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا في يد الثوار السوريين الذين تدعمهم تركيا، وهو ما قاد مؤخراً إلى مواجهات خطيرة بين القوات التركية والسورية. إذ تريد تركيا الاحتفاظ بسيطرتها على المنطقة المحاذية لحدودها.

تفوق تركي

"بالنسبة لتركيا هناك الكثير على المحك"، يقول العالم السياسي ومحلل الصراعات لامبريخت فيسيلز، الذي عمل لفترات طويلة في الشرق الأوسط. ويضيف: "يتعلق الأمر بثلاثة أرباع مليون لاجئ و20 ألف جهادي. هذا يفسّر رد الفعل التركي العنيف".

لكن هل يمكن للأتراك أن يهزموا الأسد؟ "لا أحد سيستفيد من مجابهة واسعة النطاق، لكن تهديدات تركيا يمكن أن تنجح، لأن تركيا لديها جيش يعتّد به"، يجيب فيسيلز.

الخسارة

بالنسبة للسوريين في هولندا يزداد التوتر يوماً بعد يوم. فهم يخشون على أفراد عائلتهم، وبالنسبة للكثيرين منهم بات عدم اليقين أكثر من قدرتهم على الاحتمال. أتى إياد جوباسي قبل 5 سنوات إلى هولندا، ويقول بتأثر: "أخي غازي وزوجته وابنه وابنته قُتلوا. وابنته الأخرى جُرِحت".

يتابع إياد: "أختي فلَك فقدت طفلاً. شقيق زوجتي محمد قُتِل. كان يقف أمام الباب حين سقطت قنبلة. وابن خالتي أيضاً الأسبوع الماضي. كان قد هرب من سراقب إلى منطقة كان يفترض أنها آمنة. لكن في الليل سقطت قنبلة، وقُتِل على إثرها مع ابنتيه، في حين أن زوجته أصيبت بجروح وتخضع للعلاج".

"هل ماتوا؟"

يقيم جوباسي الآن مع زوجته وأطفاله الأربعة في سبايكينيسّا. ويتحدّرون من مدينة سراقب ذات الأهمية الاستراتيجية. وحول الوضع هناك يقول: "الجميع هرب من سراقب. الوضع غير آمن هناك منذ 7 سنوات. حتى حين لا تكون هناك طائرات ولا قنابل، فإنك تشعر في أعماق قلبك بأنك لست آمناً".

الأصعب بالنسبة لإياد هو الاتصال بعائلته: "إذا انقطع الاتصال فجأة، يقول لك قلبك في تلك اللحظة: "هل تم قصفهم؟ هل ماتوا؟ أم أن الأمر ببساطة أن بطارية هاتفهم نفذت؟""

حين سمع أن الجيش السوري قد سيطر على سراقب، ذهب إلى الخارج: "لم أستطع البقاء داخل المنزل. قلت إنه من غير المسموح لأي كان الاتصال بي وخرجت أبكي". دخلت دبابات الأسد إلى المدينة. "إنهم يحرقون المنازل، لماذا؟".

بيته أيضاً تم إحراقه: "لأنهم يقولون إنني إرهابي. كيف أكون إرهابياً؟ هل قاتلت؟ هل شاهدتموني على ظهر دبابة؟ على متن طائرة حربية؟ لا، كل ما فعلته أنني صرخت مطالباً بالحرية".

صراع طويل

بعد اتفاق بين روسيا وتركيا تم الإعلان عام 2018 عن "منطقة خفض تصعيد" في إدلب. لكن الاتفاق الروسي – التركي لم ينتج عنه الكثير. يقول فيسيلز: "كان الاتفاق أن تقوم تركيا بنفسها بتطهير إدلب من الجهاديين. ومقابل ذلك لن تقوم روسيا والأسد بمهاجمة إدلب. وكان يفترض بروسيا وتركيا أن تسيّرا دوريات مراقبة مشتركة في المنطقة. لكن الأتراك فشلوا في القيام بأي شيء ضد الجهاديين".

أحد السيناريوهات تبعاً لفيسيلز هو أن ينشأ صراع طويل الأمد على إدلب، يشارك فيه الأتراك: "ستكون المسألة مسألة من يمكنه تحمل الألم أكثر من الآخر. قد يستمر ذلك لشهر ونصف، أو حتى عامٍ ونصف".

لكن الأسد، تبعاً لفيسيلز أيضاً، قد ينجح في الاستيلاء ببطء على أجزاء كبيرة من إدلب: "سيكون ذلك بمثابة حمام دمٍ كبير. الجهاديون سيقاتلون حتى الموت، والمدنيون سيدفعون ثمناً باهظاً نتيجة القصف وعمليات الانتقام".

تخشى الأمم المتحدة من مواجهات تزداد دموية وذات عواقب تزداد غموضاً وتعقيداً، وتدعو مراراً وتكراراً إلى وقف لإطلاق النار. في حين تريد المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون الجلوس مع أردوغان وبوتين على الطاولة.

" إدلب آوت الجميع. لقد باتت بمثابة سوريا مصغرّة ."

إياد جوباسي، سوري من سراقب

يرفض جوباسي أن يحني رأسه للأسد. البيت بأكمله تُعلَّق فيه أعلام الجيش السوري الحر: "الثورة السورية لا تموت. يمكن أن تمرض، لكنها لن تموت. لأن إدلب لم تعد إدلب فقط. إدلب هي سوريا بأسرها. يسكنها اليوم أناسٌ من الغوطة و القلمون ودمشق واللاذقية وحلب. إدلب آوت الجميع. لقد باتت بمثابة سوريا مصغرّة، وسوف ننتصر بإذن الله".

يأمل جوباسي أن يتمكن من العودة إلى سوريا: "لدي أمنية واحدة: أن أدفن في سراقب. تلك المدينة أمي. أمي الحقيقية ماتت، لكن سراقب هي أمي. لا تظنوا أن الجميع سيهرب إذا فُتحت الحدود مع تركيا. البعض سيبقون. هؤلاء سيقاتلون حتى آخر رمق".