رحلة اللجوء في هولندا تبدأ في كامب تير أبل، وقبل أن يعرف اللاجئ أي شيء، سيعيش و يتنقّل بين العديد من الكامبات من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. الكثير من هذه الكامبات هي مراكز لجوء معزولة عن المحيط البشري الهولندي لأسباب اجتماعية أولاً ولوجيستية ثانياً. هذه المرحلة تدوم على الأقل سنة أو عدة سنوات إذا لم يكن هنالك الكثير من الحظ. في هذه الفترة الزمنية يبدأ اللاجئون بتشكيل وبناء علاقاتهم الاجتماعية، من علاقات حب وصداقة إلى عداوات ونميمة وما بينهما من تشعبات في العلاقات الإنسانية التي تفرضها الحياة اليومية في مراكز اللجوء. كل مركز لجوء يصبح مدينة صغيرة يحضن قصصاً وحكايا لا يعرفها إلا من عاش بين جدرانها. هذه الديناميكية الاجتماعية توفّر الظروف لنشأة الفقاعة الاجتماعية التي تعزل، أو بالأحرى تؤخّر اندماج اللاجئين في المجتمع الهولندي.

هنالك العديد من الأسباب التي تمنع من اندماج اللاجئين بالسرعة التي يتوقعها المجتمع الهولندي. من بينها اختلاف العادات والتقاليد والعديد من الاختلافات الثقافية. و مع عدم وجود أصدقاء هولنديين وعدم التمكّن جيداً من اللغة الهولندية وحتى الإنجليزية في كثير من الأحيان تصبح الحياة الاجتماعية للاجئين صعبة، ما يدفع الكثير منهم إلى البقاء داخل الفقاعة التي تحدثت عنها سابقاً، فهي تصبح الملجأ الآمن للاجئ في مواجهة الخارج المجهول وصعوباته. قد يكون بداية الحل للخروج من هذه الفقاعة هو التخلص من ديناميكية حياة الكامب والحصول على منزل خاص يتيح بداية منفصلة عن حياة الجماعة التي كانت موجودة في الكامب.

صحيح أن الحكومة الهولندية قامت بتوزيع اللاجئين عشوائياً في كل المدن والقرى ظنّاً منها بأن ذلك  سيساعد اللاجئين في الاندماج في بيئتهم الجديدة ويمنع تكتلهم كأقلية كما حصل مع المهاجرين الأتراك والمغاربة. كما قامت أيضاً بفرض دورات لغة هولندية مكثفة على اللاجئين. كل هذا لم يمنع اللاجئين من خلق مجتمعهم الخاص. وبدأ ذلك في مدارس اللغة بما أن غالبية صفوفها من اللاجئين أنفسهم، وكأنهم لم يخرجوا بعد من مركز اللجوء

ماهو الاندماج؟

بكل الأحوال، الاندماج هو مصطلح غامض ومبهم. لايوجد تعريف صريح وموضوعي يتوافق عليه جميع الهولنديين. الاندماج هو ببساطة تقييم نسبي يختلف بين هولندي وآخر وذلك بحسب انتمائه السياسي أو الأيديولوجي. فمثلاً رأي شخص ينتمي لحزب الخضر اليساري  (GL)حول اندماج لاجئ ما أو فشله يختلف عن رأي شخص آخر ينتمي إلى حزب الحرية اليميني(PVV) 

هذا الغموض في فهم معنى الاندماج وتطبيقه موجود أيضاً لدى الكثير من اللاجئين. البعض يعتقد أنّ مجرد الحصول على شهادة الإندماج (Inburgeringsdiploma) هو كافٍ بالنسبة لهم، أما البعض الآخر فيعتقد بأن الاندماج هو شرب الكحول وإقامة علاقات جنسية مع النساء وما يماثلها من أفعال كانت محرّمة في المجتمعات الشرقية، وهناك أيضاً من يتصوّر الاندماج بأنه الحصول على عمل ودفع الضرائب من غير الاستثمار في بناء علاقات متينة مع أفراد من المجتمع الهولندي.

وعلى الرغم من حصول الأغلبية الساحقة من اللاجئين على شهادة الاندماج ودخول الكثير منهم في سوق العمل، تبقى أصوات عدم الرضى عن اندماجهم قوية في أروقة البرلمان والإعلام الهولنديين. مايدل على عدم وجود توافق أو فهم حقيقي حول معنى الاندماج.

الاندماج لا يأتي من طرف واحد بل من جميع الأطراف. وعلى الرغم من أن الحكومة الهولندية قدمت الكثير من الموارد والفرص للاجئين، يبقى هنالك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق اللاجئين والمجتمع المدني والمواطنين الهولنديين من أجل خلق بيئة طبيعية وحيّة تساعد الطرفين على فهم وقبول بعضهما.