هذا الأسبوع تتلّون زفولا بلون واحد هو لون الشمس الأصفر الليموني الذي يختفي بين الحين والآخر خلف ظلال غيوم تظهر في سماء المدينة لوهلة ثمّ لا تلبث أن تزول. وتبقى الشمس على لونها هذا من شروقها إلى غروبها والذي يغطّي سماء المدينة كما سقوف منازلها القديمة وأرصفتها المليئة بأورق الشجر البنّية. كلّ شيء هنا يبدو غارقاً في لون الشمس هذا.

في يوم عطلتي أمشي في وسط المدينة فأسمع خشخشة الأوراق اليابسة تحت عجلات درّاجات طلّاب المدارس الذي يكسرون صمت الأجواء بضجيجهم. وما هي إلّا لحظات حتّى أقابل مصادفةً جارتي العجوز التي تروح تخبرني عن إجازتها الصيفيّة التي أمضتها في إيطاليا وهي تستخدم كلمات من نوع كبير وجميل وكثير لتعبّر عن امتنانها للإجازة ولما عاشته فيها هناك. أمّا أنا فأستصعب التركيز فيما تخبرني عنه وأهرب من تفاصيل إجازتها المقيتة لأتأمّل أوراق الشجر المتساقطة تحت الشجرة الكبيرة المقابلة لمقهى "هات ريفتير" والتي تتساقط أوراقها كلّ عام في أيلول قبل كلّ الأشجار في وسط المدينة.

عن أيّ إيطاليا وعن أيّ صيف تتحدّث هذه العجوز؟ نحن الآن حقّاً في أيلول؟ ثمّ أنّني أشعر بأنّي أكثر إرهاقاً من أن أتابع هكذا أحاديثها معها. أغادرها على عجل لأتابع سيري وحيداً في وسط المدينة وأنا أتأمل تفاصيل الطقس المختلفة حولي.

إنّه أيلول، أفكّر مجدّداً. وكلّما فكّرت في أيّ شيء أخذتني أفكاري إلى حلب، مدينتي التي وُلِدت فيها والتي ستملأني بصور خريفها فأروح أقارن بين جمال فصل الخريف بين هنا وهناك. حينها أعتقد أنّ كلّ شيء في حلب كان أحلى وأجمل وأفتقد أخي الذي توفّي قبل أشهر وأتذكر كيف اعتدنا أن نذهب إلى المدرسة معاً في بداية كلّ أيلول. أكثر من ذلك لاشيء يذكر لربّما. فقط سأتخيّل الناس الذين كانوا يعيشون في زفولا قبلاً. كيف عاشوا أيلول هنا؟ وبأيّ حزنٍ أو فرح؟ ثمّ سوف أذهب.

عندما وصلت إلى زفولا قبل عامين كان ذلك في أيلول. أيضاً عندما غادرت حلب إلى إسطنبول كان أيلول. حلب الآن بعيدة جدّاً، وأيضاً إسطنبول. فقط زفولا قريبة. لكن إلى متى؟ لا أحد يعرف!

"القصّة مش طقس، هي قصّة ماضي كان عنيف"

أرتاح من جولتي بالجلوس إلى مقهاي الأحبّ في وسط المدينة بكراسيه وطاولاته الحمراء. وما أن أجلس حتّى تدّق أجراس الكنيسة الباسيلية، التي ما أن أسمع صوتها حتّى يبدأ المشهد الأخير، فـأحسّ أنّي في فيلم. أين شاهدت هذا الفيلم؟ ماذا كانت نهايته؟

في الفيلم لا أزال أعيش في حلب وأغلب المشاهد تدور في دير الفرنسيسكان ومدرسته والشوارع المحيطة به. في أيلول تمتلأ الشوارع الخلفيّة للدير كما ساحة مدرسته بأوراق الشجر البنيّة والصفراء. وأنا؟ أنا طفل بمريول مدرسي أزرق أقف على باب المدرسة منتظراً الباص الذي سيقّلني إلى البيت وأنظر بخشية في عيني الراهبة القاسيتين والتي تلومني لأنّي آكل الكعك بالسمسم على هذا النحو وفي هذا الوقت.

وقت طويل مرّ بين هذا الأيلول وأيلول الآخر الذي غادرت فيه حلب. في أيلول حلب الآخير ودعتني عيني أمّي الحزينتين والتي جلست صباح ذلك اليوم البعيد على جانب سريري وهي تتمنى أنّي عدلت عن قراري وأنّي لن أغادرها وحلب وحربها أبداً.

لكنّني حقّاً غادرتها، لأجلس في هذا اليوم الخريفي على الكراسي الحمراء لمقهى "دي هيتي براي" ولأستمع لدقات الكنيسة الباسيلية ولأتأمّل تفاصيل الخريف حولي. في الأثناء تعيد مشاهد الفيلم نفسها في رأسي من البداية إلى النهاية. لكن كيف ينتهي هذا الفيلم؟ في الواقع لاشيء ينتهي. كلّ الأشياء تبدأ وتظلّ تبدأ بلا نهاية. تغيير الأمكنة والأشخاص لا ينهي شيئاً.

في المقهى تختفي الشمس ولونها الليموني. إنّها الآن تمطر على شبابيك المقهى برذاذ خفيف. أغادر الفيلم وأطلب فنجان قهوة وأبدأ بكتابة هذا المقال وأفكّر أنّ أيلول هو الثمن الذي ندفعه لحياة نعيشها بالمقلوب. فمع بداية كلّ عام نظنّ أنّنا ذاهبون لفتح صفحات جديدة في حياتنا، ثمّ يأتي أيلول لنكتشف أنّنا لانزال نسير في نفس الدوائر المغلقة لكلّ عام. أترك الكلمات والمقهى لأعاود المشي في الشوارع التي تبللت بالمطر وفي رأسي تغنّي فيروز: "القصّة مش طقس، هي قصّة ماضي كان عنيف".