من نافذة مطلّة على مبنى الميديا بارك الملوّن في هيلفرسوم أكتب مقالي الأخير لموقع "هولندا الآن". الأجواء في الخارج تبدو هادئة وخريفيّة بامتياز. نافورة الماء العالية التي تقع على الجهة المقابلة لمبنى وكالة NTR الإعلامية التي يتبع لها موقعنا تلوح من خلف الأشجار العالية التي تعرّت عن آخرها من أوراقها، فتمنح المشهد أفقاً وراحةً واسعين.

لازلت أتذكّر جيداً المرّة الأولى التي جلستُ فيها إلى جانب هذه النافورة على الكراسي الملوّنة للمقهى المجاور لها. حينها في عام 2018 كنت أعمل على مقال عن الحرب في سوريا وآفاقها لموقع NPO Focus. في ذلك الوقت تمنيت بشدّة أن أستطيع العمل في أقرب فرصة في هذه المجموعة الإعلاميّة.

وهذا ما حدث مع مطلع العام 2019 حين بدأت العمل لموقع "هولندا الآن"؛ الموقع الذي يشكّل تجربة فريدة من نوعها في الإعلام الهولندي، حيث يعمل فيه قادمون الجدد وهولنديون لتقديم محتوى إعلامي موثوق ومميّز يربط القادمين الجدد بالمجتمع الهولندي ويعزّز اندماجهم فيه.

لقد بدا لي العمل في هذا الموقع في ذلك الوقت خطوة إضافية صحيحة على الدرب الذي قطعته منذ وصلت إلى هولندا لأستطيع متابعة عملي كصحفي هنا. لكن لماذا؟ الأسباب كثيرة ولكن أهمّها أنّ الصحافة والكتابة شغفي، وأنّ لدي صوت ومضمون وتجربة مختلفين أريد إيصالهم إلى الهولنديين أولاً وإلى القادمين الجدد تالياً. اعتقدت أنّني في هذا الموقع سأستطيع أن أفعل الأمرين معاً، وهكذا كان.

منذ البداية أردت أن أكشف عن وجودنا وأصواتنا، لا أن أن نكتفي بالترجمة والتحرير وكتابة المقالات الصحفية، لذا فقد كانت مقالات الرأي الصحفيّة الأسبوعيّة التي كتبتها كلّ يوم خميس على مدار عام كامل منصّة كشفت من خلالها عن تجربتي الكاملة في الصحافة واللجوء والاندماج والعيش بين عالمين مختلفين كلّياً، هما الشرق الأوسط وأوروبا. ولأكثر ما أنا ممتن له في هذه التجربة أنّها منحتني الحريّة الكاملة في تناول كلّ الموضوعات. من الاختلافات الثقافية إلى التحليل السياسي إلى سواها من المواضيع الثقافية والجنسانية.

لم يكن من السهل على متابعينا تقبّل معالجتي لبعض المواضيع بجرأة اعتبرها البعض زائدة في بعض المقالات، لكن ما سعدتُ به أيضاً أنّني استطعت نقل تجارب وأصوت الكثير من المتابعين إلى الهولنديين وصانعي القرار السياسي الهولندي. كما امتننت لأنّ المقالات خاطبت شرائح مختلفة من القادمين الجدد، فكلّ شريحة وجدت نفسها وصوتها في مكان ما، كما أنّها ساهمت في تقريب الهولنديين والقادمين الجدد من بعضهم البعض وزيادة مساحات الفهم بينهم.

إضافةً إلى هذه المقالات تابعنا عملنا في كتابة المقالات الصحفيّة وتحرير الأخبار وترجمتها. الجانب الإيجابي في الأمر إنّي استطعت استخدام شبكة معارفي الإعلامية العربية بشكل واسع وتوسيع شبكة معارفي الهولنديّة وإن على نطاق ضيق. لكنّ عدم تحدّثي للهولنديّة بطلاقة كالهولنديين صعّب على تشكيل شبكة معارف قوية داخل الهيئة العامة للبث الهولندي ووكالاتها. أضف إلى ذلك صعوبة اختراق قادم جديد لللمجموعات التي تعمل منذ سنوات عديدة معاً، خاصةً وإن طرق إلقاء التحيّة ومعانيها وسبل تعرّف الناس على بعضها تختلف بين سوريا وهولندا اختلافاً جذرياً. فما يبدأ عند ماكينة القهوة ينتهي عندها هنا، إمّا في سوريا فإنّ ما يبدأ عند ماكينة القهوة قد يتطور إلى صداقة حقيقية وفرص عمل وشراكات مختلفة.

لكن يبقى أنّ المنصّة التي مُنِحت لي هنا دعمت جهدي الذي بذلته في الكتابة الصحفية في هولندا والتي مارستها بدايةً بمساعدة صديقة لي، منذ كنت لا أزال في كمب درونتن. في ذلك الوقت تأخّر خروجي من الكمب جدّاً وساءت أوضاعي هناك، وحين فكّرت في الكيفية التي أستطيع فيها مساعدة نفسي لم يكن لدي إلّا قلمي وبحثي الذاتي لأتواصل مع أهمّ الصحف الهولندية ولأنشر مقالي فيها. وهذا ما عزّزته بمزاولة تدريب لثلاثة أشهر في ذات الصحيفة بعد انهائي لامتحانات الاندماج.

أمّا الشيء الذي آسف لعدم تمكّني من تحقيقه خلال هذا العام هو كتابة تحقيقات صحفيّة ميدانية تحكي عن اندماج القادمين الجدد في هولندا ومشاكلهم. وهذا لم ينجح لأسباب كثيرة ليس هنا الآن مجال لذكرها.

منذ بداية خريف هذا العام أيقنت أنّ العمل في موقع "هولندا الآن" لأكثر من عام غير مجدي، كما أنّ فرصتي في مواقع أخرى ضيئلة للغاية، لذا قرّرت تغيير وجهتي لمواصلة جهودي في قطاع أنجزت فيه الكثير في السنوات الماضية أيضاً وهو التواصل والعمل الاجتماعي، وهو ما سأبدأه مع مطلع العام القادم في أمستردام.

في نهاية هذا اليوم الخميس الآخير أغادر مبنى الـ NTR وأنا أشعر بالرضا والامتنان من نفسي وعزمها أوّلاً ومن العاملين هنا ثانيةً. لكن قبلاً من كلّ القرّاء من هولنديين وقادمين جدد ممن منحوا مقالاتي تقديراً وتشجيعاً حفّزني على المتابعة رغم كلّ التعب. فما من شيء أصعب من أن تعمل صحفياً في بلد جديد لم تبدأ بتعلّم لغته إلّا قبل عامين. كل التوفيق لـ"هولندا الآن" ولربما قد نلتقي في مكان وزمان آخرين. الآن قطار المساء إلى زفولا ينتظرني.