يستصعب الكثير من القادمين الجدد، حتّى بعد سنوات من وصولهم إلى هولندا، بناء روابط مع المكان الذي يعيشون فيه تجعلهم يشعرون بالانتماء إليه، وأنّهم قادرون حقّاً على بدء حياة جديدة هنا والتطلّع إلى المستقبل. لكنّ بعض القادمين الجدد نجحوا في ذلك، وإن بطرق مختلفة.

أوترخت محطّة أمان

بعد حيازته على تصريح الإقامة طلب أكرم سعود الذي يقيم في هولندا منذ أكثر من أربع سنوات من مشرفه في منظمة "الكوا" في الكمب الذي يقيم فيه بالقرب من ألكمار أن يساعده بالانتقال إلى أوترخت. فقد كان أكرم قد تعرّف على المدينة من خلال زيارة عابرة أوّلاً، ثمّ من خلال عمله كمتطوع لدى منظّمة PAX. "لقد بدت لي أوترخت مختلفة جدّاً عن محيط ألكمار البارد. وسط المدينة مزدحم والناس منفتحون ودافئون وودودون، ثمّ أنّ موقع المدينة في وسط هولندا مناسب جدّاً للخطط التي كنت قد وضعته لدراستي وعملي ومستقبلي في هذا البلد".

هكذا يصف أكرم (30 عاماً، طالب هندسة عمارة في جامعة دلفت) بداية علاقته بمدينة أوترخت التي أقام فيها لأكثر من عام، قبل أن يضطر للانتقال منها إلى روتردام بغرض الدراسة. مع الوقت وبعد مشاركته في العديد من النشاطات الاجتماعية والثقافية التي تجمع القادمين الجدد والهولنديين، والتي يكثر تنظيمها في المدينة أحسّ أكرم بالانتماء إلى أوترخت، فقد أصبحت الحارات القديمة في وسط المدينة منفذه من ضغوط الحياة هنا، ثمّ بات يشبّه أجزاء كثيرة فيها بما يماثلها في المدينتين القديمتين اللتين عاش فيهما، حلب ودمشق. و يضيف في حديث خاص لـ"هولندا الآن": "كنتُ أسافر كثيراً داخل هولندا، وما أن أعود من سفري وأصل إلى محطّة أوترخت، حتّى أشعر بالارتياح التام وأنّي صرتُ في بيتي، خاصةً وأنّي لطالما شعرتُ نفسي آمناً في أوترخت، وهذا شعور افتقدته بعد العديد من الاعتقالات التي تعرّضتُ لها في سوريا ونشوب الحرب هناك، وأعادته إليّ أوترخت".

ومن أهمّ الأشياء التي يبدو أكرم ممتناً عليها في أوترخت هي أنّ المدينة وبلديتها منحتاه المساحة والوقت الكافيين ليتعلّم اللغة وليتابع دراسته وليختار مستقبله بنفسه. ولا ينسى أكرم لقاءه الأوّل بالمسؤولة عنه في بلدية أوترخت والتي أكّدت له بعد اطلاعها على نشاطاته وسماعها لخططه المستقبلية "أنّ بلدية أوترخت فخورة أنّك ستصبح من سكّانها".

"عندما أرى روتردام أشعر بالفرح والارتياح، فنحن سنستطيع إعادة إعمار حلب كما تمّت إعادة إعمار روتردام"

أكرم سعود

في روتردام لا شيء مستحيل

لم يكن من السهل على أكرم التخلّي عن أوترخت والانتقال إلى روتردام، خاصةً وأنّ المدينتين مختلفتين جدّاً. لذا فإنّ "الفترة الأولى في روتردام كانت صعبة جدّاً، سكّان روتردام منغلقين وهناك استقطاب في المدينة والبلدية ليس لديها وقت للاهتمام بالقادمين الجدّد" يقول أكرم. لكن بعد فترة وجيزة بدأت مشاعر أكرم تجاه روتردام تتغيّر؛ "فمن خلال دراستي الجامعية عدتُ إلى تاريخ المدينة قبل الحرب و عرفتُ كيف تمّت إعادة إعمارها بعدها. دراستي قرّبتني من روتردام".

ولا يشعر أكرم حتّى الآن، رغم إقامته فيها منذ أكثر من سنة أنّ روتردام حقّاً بيته، لكنّ المدينة باتت تشكّل بالنسبة له نقطة تصالح مع الماضي وأمل للمستقبل، خاصةً حين يقارن مصيرها بمصير مدينة حلب: "عندما أرى روتردام أشعر بالفرح والارتياح، فنحن سنستطيع إعادة إعمار حلب كما تمّت إعادة إعمار روتردام، ولكن لربما مع الحرص على أن نكون أمينين لروح المدينة وتاريخها أكثر. مع العلم أنّ حلب ليست مدينة عاديّة وأكبر من روتردام. لذا في روتردام أتأكّد ألّا شيء مستحيل".

اهتمام متبادل

بالنسبة لأسامة علّوش الذي يقيم في منزله في زفولا منذ أكثر من عام تشكّل المدينة بيتاً وووطناً حقيقياً له. فـالمدينة كما يصفها "هادئة ومنظّمة ونظيفة، بدون مشاكل ولا روائح حشيش فيها، لازالت تحافظ على تراثها وتملك هويّة محافظة قليلاً تفتخر بها. وهذا كلّه يريحني ويشبهني".

ومنذ البداية أراد أسامة (31 عاماً) الذي درس الفلسفة ودرّسها في سوريا أن يتقرّب المدينة ويتعرّف إليها، بدل أن ينتظر من المدينة أن تفعل ذلك معه: "عندما تهتّم بالمدينة، ستبادلك المدينة الاهتمام، سترى أن تقبّلها لك سيزداد يوماً بعد يوم، أمّا حين تنزوي عنها فإنّك ستبني حاجزاً بينك وبينها ولن تجد لنفسك مكاناً فيها".

ويقدّم أسامة الذي وصل إلى هولندا قبل عامين ويكتب الشعر وفازت إحدى قصائده عن زفولا بإحدى المسابقات ونُشِرت في كتاب، صورة شعريّة عن علاقته بالمدينة: "في البداية لم أكن أعرف أحداً في زفولا، كنت أخشى الذهاب للتسوّق، لكن حين التقيت بناسها كان وكأنّي بدأت بزراعة جذوري في تربتها، وقد فعلت ذلك بهدوء وإصرار، ثمّ بدأتُ أحسُّ نفسي جزءاً من المدينة وهويتها".

"عندما تهتّم بالمدينة، ستبادلك المدينة الاهتمام، سترى أن تقبّلها لك سيزداد يوماً بعد يوم، أمّا حين تنزوي عنها فإنّك ستبني حاجزاً بينك وبينها ولن تجد لنفسك مكاناً فيها"

أسامة علّوش

زفولا تحبّ الغرباء

ومن أجمل العلاقات التي بناها أسامة في زفولا علاقته بالشاعرة الهولنديّة ترينتي خُسكير التي تطوّعت لمساعدته في لقاء أسبوعي في المكتبة التي تطلّ على وسط المدينة: "لقد ساعدتني ترينتي في فهم منطق التفكير الهولندي وفي مناسبة صوري الشعريّة لهذه اللغة. في البداية كانت تعينني على إعادة كتابة القصيدة باللغة الهولنديّة والآن تقدّم لي النصائح فقط. أنا فخور بما أنجزته بدعمها".

ويبدو أسامة الآن سعيداً جدّاً بإقامته في زفولا فهو لا يفكّر أبداً في مغادرتها ويؤكّد في نهاية حديثه إلى "هولندا الآن": "معظم القادمين الجدّد إلى زفولا يسعدون بالإقامة فيها. خاصةً وأنّ كلّ من قدّم شيء بسيط للمدينة، تردّه له المدينة أضعاف، فترفع من شأنه وتكرّمه. انظر إلى الكاتبين قادر عبدالله ورودان الخالدي. زفولا تحبّ من يحبّها وتحبّ الغرباء".

هولنديون لطفاء

منذ أوّل وصوله إلى هولندا قبل أربعة أعوام بدأ عمّار يشعر أنّه في وطنه. فقد لمس ترحيباً كبيراً به وبسواه من اللاجئين من قبل الهولنديين حتّى في مرحلة تنقّله الأولى بين العديد من الكمبات المؤقّتة: "لقد زارنا الكثير من الهولنديين اللطفاء. لقد بدوا لي شعباً ودوداً. رحبّوا بنا وسألوا عن احتياجاتنا وساعدونا في البدء سريعاً بتعلّم أساسيات اللغة. حتّى اليوم لازالت على صداقة مع هؤلاء الناس الذين تعرّفت عليهم في ذلك الوقت العصيب".

وواحدة من أكثر المواقف التي أثّرت في عمّار (31 عاماً) في ذلك الوقت ولايزال يتذكّرها إلى اليوم بامتنان شديد، كانت حين قدّم له أحد متطوعي المنظمات الإنسانية الذي تعرّف عليه في كمب مؤقّت بالقرب من روزندال غيتاراً موسيقياً: "لقد أخبرته مصادفةً أنّني أجيد العزف على الغيتار، فما كان منه في اليوم التالي إلّا أن جلب غيتارين وقدّمهما لي ولصديقي. لقد أثّر فيّ هذا الموقف كثيراً وجعلني أشعر أنّني بين أهلي، خاصةً وأنّ جنود نظام الأسد كانوا قد سرقوا غيتاري في سوريا في إحدى حملاتهم على بيتنا في ريف دمشق".  

 "لا أشعر بالوحدة أو الغربة على الإطلاق، لديّ الكثير من الأصدقاء الهولنديين الذين يملؤون حياتي ويدعمونني باستمرار"

عمّار الخطيب

تلبورخ وطني

بعد ثلاثة شهور من وصوله إلى هولندا نُقِل عمّار إلى أحد الكمبات في مدينة تبلورخ ولم يغادرها حتّى اليوم: "لقد طلبت بلدية تبلورخ أن نبقى فيها، فهي ستعطينا منازل هنا. لذا لم اضطر للتنقّل مجدّداً، وهذا رسّخ مشاعر الانتماء للمدينة وناسها في داخلي، خاصةً حين دعاني أحد مسؤولي البلدية لحضور مباراة كرة القدم معه. بعد ضياع كلّ شيء في سوريا. شعرتُ أنّي أملك مستقبلاً هنا".

بعد تعلّمه للغة الهولندية تابع عمّار شغفه بالبرمجة وتنقّل بين العديد من الوظائف المهمّة في هذا المجال والآن يعمل كمبرمج لدى شركة القطارات الهولنديّة، NS. في أيّام عطلته ينزل ويمشي في وسط مدينة تبلورخ حيث يقابل العديد من الناس التي يعرفها، ثمّ ليزور "أمّي الهولنديّة" على حدّ تعبيره، والتي ساعدته كثيراً، ليشرب لديها فنجان قهوة: "لا أشعر بالوحدة أو الغربة على الإطلاق، لديّ الكثير من الأصدقاء الهولنديين الذين يملؤون حياتي ويدعمونني باستمرار. أنا فخور جدّا بنفسي وبهم. تبلورخ حقّاً وطني".