طيلة العام الماضي كنت أشتري الورد الأحمر وأهديه لمن أحبّ، حتى عندما تذبل الوردة أروح أصبّرها وأعلّقها على مشبك بقرب المكتبة إلى جانب الكثير من البطاقات والصور التي لم نتوقف عن تبادلها طيلة العام.

إذا وقفت بجانب هذا المشبك مساء عيد الحبّ وجدت الكثير من الصور والكلمات التي تحكي عن سوريا أو تأخذك إليها. إحدى البطاقات مزيّنة بورق الغار وبرائحته. كيف نملأ هذا الفراغ الذي نعيشه داخلنا ويسمّى "سوريا"، هل
من حبّ ممكن بعيد عنها، أم أنّ مثل هذا الحبّ هو من سيعينيا على غربتنا الهولندية ومفاجآتها التي لا تنتهي؟!

الغريب أنّ بلادنا التي منحتنا أجمل ما فينا من شغف ودفء ومحبة للناس هي ذاتها التي قست علينا مرتين: مرّة حين كنا لا نستطيع عيش الحبّ فيها إلّا سرّاً، فالكثير من المحبيّن كانوا يخافون سلطات شتّى وهم يعيشون أبسط أشكال الحبّ ويتبادلون هداياه، في عيد الحبّ كما في سواه. ومرّة أخرى حين أرغمتنا بحروبها وحروب الآخرين على أرضها على مغادرتها لنعيش سلام الحبّ في بلادٍ لا نملك فيها لا ودّ ولا ذاكرة.

هنا في بلاد التوليب أعيش الحبّ كما أريد على مدار العام، لا أخاف سلطةً ولا أخشى إساءةً. لكن هل الحبّ هنا سهلاً إلى هذه الدرجة؟ على عكس مايروّج إعلامياً ودعائياً فإن الحبّ هنا أصعب بكثير! ثقافة الاستهلاك والعلاقات العابرة تمارس إغراءها في كل مكان. "لاداعي بك لأن تجهد في حبك لأحد أو أن تحبّه كما هو" هيّا، إلى التالي! ثمّ إلى الذي يليه وهكذا دواليك ويغرق الكثيرون في دوامة الوحدة وعدم الرضى إلى ما لانهاية. والمستفيد تطبيقات ومواقع للمواعدة تروّج حبّا لا يحصل عليه أحد وبارات ومخدرات ومنشطات وقطارات ملأى بالمسافرين الذين يتبادلون الوجهات ولا أحد راضٍ لا عن الوجهة القادمة منها ولا عن تلك الذاهبة إليها!

على أنّ الحب في حقيقته هو نفسه في كل مكان، لكنّ الناس هنا ليسوا ذات الناس الذين كانوا هناك؛ الناس وقلوبهم هم ما يعيشونه كلّ يوم، لا في عيد الحبّ فقط. والوردة الحمراء المرتفعة الثمن التي كنت تشتريها في دمشق أو حلب أصبحت هنا باقة توليب لا يتبادلها المحبّون بينهم إلا فيما ندر. فالرومانسية الحقيقية تبدو هنا حرفيّاً تهمة!

لكن ليس على الواحد منّا أن يكون متهماً لا في رومانسيته ولا في شخصيته الشرق أوسطية ولا في حنينه إلى سوريا. أن تندمج لا يعني أن تخسر نفسك! بل على العكس أن تربحها وأن تضيف أجمل ما فيها إلى هذه البلاد، في الحبّ كما في سواه.

أن تجول أوترخت أو ماستريخت ليلة عيد الحب وأنت تمشي ومن تحب يداً بيد وأضواء المقاهي والمحال تنعكس ملونة على وجه الماء كما على وجه من تحبّ ليس مشهداً من فيلم رومانسي شاهدته منذ زمن بعيد. هذا ما يمكنك فعله في هولندا ليلة عيد الحبّ هذه كما في ليالي العام ال 364 الأخرى. وحين يذكرك كل تفصيل حولك بشيء يشابهه في سوريا البعيدة، مدّ ذراعك على كتف من تحبّ وغنِّ: "أنا لحبيبي وحبيبي إلي"!