كل يوم عليّ أن أتعلم المشي من جديد.. في هذه البلاد المنخفضة

, سومر العبدالله

كم واحد منا قال في نفسه أو للآخرين، "أنا أبدأ هنا من الصفر"؟، أعتقد الكثيرين، وربما جميعنا قال ذلك. فأغلبنا اضطر إلى أن يترك كل شيء وراءه ويركب الخطر باحثاً عن الأمان له ولعائلته.وعندم وصلنا إلى هنا لم نكن نحن نحمل سوى الأمل ببناء حياة جديدة.

من ينظر منا  إلى ماضيه القريب ينظر إليه بأسىً كبير. لكن من ينظر إليه بعين أخرى ويتذكر كل الأهوال التي مر بها، من الجيد أن ينظر إلى نفسه بأنه إما كان محظوظاً أو بطل.

قدمنا إلى بلاد جديدة وغريبة، ماهو مختلف فيها عن بلادنا هو أكثر مما هو مشترك معها. ومع ذلك قابلنا ذلك بحماس وتحد. أذكر صديقاً عراقياً يعيش في هولندا منذ عشرين عاماً، قال لي بأن السوريين في هولندا يعملون بجد وكأنهم يتحدون الزمن ويحاولون سباقه، وهو لم يلاحظ حجم هذا التحدي سابقاً مع أي جالية لجأت إلى هولندا قبلهم. ونحن بالفعل ما نزال في سباق مع الزمن. كأننا نريد أن نعوض سنواتنا التي ذهبت في غبار الحرب.

حالنا في هذه البلاد يشبه حال الطفل الذي يراقب كل محيطه لكي يتعلم، يريد أن يكتشف كل شيء من حوله لكنه لا يستطيع فعل ذلك بسهولة. نحن نخطو خطواتنا الأولى في هذه البلاد المنخفضة، وكأن حياتنا بدأت من جديد أو  وكأننا ولدنا وكبرنا بسرعة في هذه البلاد. أغلب القادمين الجدد يحاولون تعلم اللغة بسرعة، والدراسة وإيجاد العمل المناسب بسرعة. ولهذا عندما يفشل أحدنا في اكتساب مستوى اللغة التي يطمح إليها يشعر بالإحباط، أو عندما لا يجد العمل الذي يرقى إلى طموحه أو قدراته يشعر بالغضب. زاد الأمر أننا ننظر إلى الاندماج كأنه امتحان وعلينا اجتيازه بنجاح وحتى بعلامات ممتازة. فتلعن الحرب والسبب الذي دفعك إلى اللجوء وتشعر بالأسف على كل السنين الماضية وكل ما أنجزته في بلادك.

عندما حصلت على عمل مدفوع في هولندا كان ذلك بالنسبة لي تحدياً لا أستطيع وصفه، وهو بعد مدة من العمل ما يزال تحدياً. لم تكن اللغة هي التحدي الوحيد ، ولكن أيضاً ثقافة العمل ونمط العلاقات بين الزملاء، وغيرها من أمور. عندما أجلس سوياً مع زملائي الهولنديين، أحاول التركيز جيداً على كل ما يقولونه، أراقب حركة الشفاه، عقلي يعمل بكل طاقته، كلمات غريبة ومختلفة عن الكلمات التي تعلمتها في مدرسة اللغة، لكنات مختلفة وأنا عليّ أن أتابع ذلك كله وأفهمه. يصيبني الإحباط وأعتقد بأنني لن أستطيع اللحاق بهم، وأعلن استسلامي. لكن في البيت أراقب طفلي ذو الأربع سنوات وهو يتعلم الركض دون أن يقع. أنه احساس رائع أن تشاهد طفلك يكبر ويتعلم الطيران وحيداً. أتذكر بأنني أنا أيضاً ما زلت أتعلم المشي في هذه البلاد المنخفضة، أقع وأشعر بالألم والغضب، ولكنني أقف مجدداً وأحاول السير جيداً ومن ثم الركض. وقد تعلمت من طفلي الصغير أن أعود إلى تحد الواقع الذي أنا فيه مهما كانت صعوباته.

الاندماج واكتساب اللغة واكتشاف ما يدور حولك، والحصول على ماتريد، لا يأتي بغمضة عين، وإنما هي لحظات تتراكم فوق بعضها مع مرور الأيام والسنين لتمنحك ربما إحساس الرضا الذي تبحث عنه. لا يعني هذا أننا لا يجب أن نشعر بالغضب والإحباط أحياناً وأن نبكي أيضاً من التعب، ولكن قدرنا أو الظروف التي عشنا فيها فرضت علينا نحن المطرودين من جنة بلادنا الأصلية أن نقف مجدداً ونكبر بسرعة ونركض قبل أن نتعلم المشي.