مرة أخرى تواجه مراكز إيواء اللاجئين في هولندا نقصاً في الاستيعاب. ابتداءاً من مطلع كانون الثاني هناك حاجة لـ 5000 مكان إضافي، بسبب تزايد أعداد طالبي اللجوء وطول فترات الانتظار وتأخر الانتقال.

الانتظار هو السمة الرئيسية لحياة نزلاء مراكز اللجوء. تعترف الهيئة المركزية لإيواء اللاجئين أن المراكز ليست جميعها مثالية. تنتشر مراكز إيواء اللاجئين في عموم البلاد، ولكل لاجئ قصته، لكن شيئاً واحداً يجمعهم: الانتظار طويل جداً.

"إنه ليس مكان خمس نجوم، كما وصفه مؤخراً السياسي ذو الشعر الأبيض." يقول ج. د، اللاجئ السوري في إشارة إلى خيرت فيلدرز. في بداية تشرين الأول جاء زعيم حزب الحرية إلى مركز اللاجئين في خيلزه، حيث يقيم ج منذ أيلول: "أعرف أن البعض يتصور أننا نأخذ أموالهم، أو أننا مدللون، لكني أعتقد أن الكثيرين لن يرغبوا بالعيش هنا."

وصل ج البالغ من العمر 37 سنة إلى هولندا في أيلول برفقة زوجته (ن 24 سنة). لا ينكر الإثنان الفضل، كما يؤكد، وهو يتمشى في المركز الذي كان قاعدة عسكرية في السابق. إنهما سعيدان بوجودهما هنا، ويقدّم ج وصفاً لحياتهما.

يتلقى كل فرد 30 يورو في الأسبوع ليعيش منها. كما يحصل على وجبة طعام واحدة في اليوم في مركز اللجوء، بين الخامسة والسادسة عصراً. "حينها يكون هنا طابور انتظار طويل." ويشير ج إلى مساحة في مقدمة المجمع.

كل يوم هناك وجبة واحدة في قائمة الطعام. "إما أن تأخذها أو لا تأكل شيئاً." بقية الطعام والشراب يشتريه ج وزوجته ن من السوبرماركت في خيلزه، التي يصلان إليها بالباص الذي يكلف 3 يورو للشخص الواحد.

"لا يمكننا الطبخ، فهذا ممنوع في الغرفة." هما يسكنان في غرفة مساحتها حوالي 20 متراً مربعاً. الأرض مفروشة بمشمع أزرق. "ليس لدينا ستائر، لذلك نعلق أحياناً شراشف على النافذة." في الزاوية سريران لشخص واحد متجاوران. اللحاف اشترياه من متجر "أكشن"، لأن اللحاف الذي تسلماه من المركز، لم يكن سمكياً بما يكفي للشتاء.

قاعة الموسيقى

"بعد منتصف الليل تنطفئ التدفئة." تتوسط الغرفة طاولة مع أربع كراسي. إلى جانب ذلك يمتلكان في الغرفة خزانة معدنية ومغسلة ومرآة. المسكن الذي يمتلكان فيه غرفة يتقاسمانه مع أربع أسر أخرى. ويشترك الجميع بالحمام والمرافق الصحية.

هناك مرافق خدمية في المكان، فهناك مثلاً قاعة للموسيقى. "لكنها تفتح ساعتين في الأسبوع فقط. أنا أعزف العود، وأرغب بأن تفتح القاعة كل يوم. إذا عزفت موسيقى في الغرفة فسيكون ذلك مزعجاً للآخرين."

تعترف الهيئة المركزية لإيواء اللاجئين (COA) بأن الظروف في خيلزه ليست مثالية. كان مركز اللاجئين هذا في الأصل قاعدة عسكرية بناها الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، ومن 25 سنة يستخدم المجمع كمركز لإيواء اللاجئين، ويشهد الآن "انفجاراً سكانياً".

بسبب النقص في أماكن الإسكان أقيمت أماكن إيواء طارئة، والمجمعات الموجودة تحتاج إلى أعمال ترميم كبيرة، وهو ما سيحدث في العام المقبل حسبما مخطط له.

"اقترحت أن أدير المنزل بشكل تطوعي. لكن ذلك غير مسموح به" يقول ج، ويضيف "يجب أن يكون هناك هولندي في المكان دائماً، ولا أعرف لماذا." هناك أيضاً قاعة رياضة "لكن ليس فيها سوى جهاز ركض واحد لـ 800 شخص."

مرة أخرى يعتذر، فهو لا يريد أن يتذمر. "نحن ضيوف في نهاية الأمر." لكن الانتظار في خيلزه ممل جداً. كان ج يعمل في وظيفة جيدة لعدة سنوات: كان مديراً مساعداً في شركة كبيرة في دبي، لكنه فقد وظيفته، وإثر ذلك لم يعد يمكنه البقاء هناك. " الغلاء هناك لا يحتمل، كما إن التعامل هناك مختلف. إذا لم تكن لديك وظيفة عليك أن تغادر."

ولم يكن يريد العودة إلى سوريا. فقد استدعي عام 2015 للخدمة العسكرية، ولم يستجب للاستدعاء. "لو عدت الآن سأدخل فوراً إلى السجن، وحتى لو خرجت من السجن فسيتعين علي الالتحاق بالقتال." لذلك قرر ج وزوجته المغادرة إلى هولندا. حطت بهما الطائرة الصيف الماضي في مطار سخيبول. ومنذ شهر أيلول يقيمان في خيلزه.

الانتظار الطويل

لا يعرف كم سيبقى في خيلزه. فترات الانتظار لدى مصلحة الهجرة والجنسية IND لدراسة طلبات اللجوء طويلة، هذه إحدى المشاكل الرئيسية هنا.

كما إن النزلاء الذين يحصلون على الإقامة، لا ينتقلون بسرعة إلى مساكنهم الخاصة، لقلة مساكن الإيجار المخصصة من قبل البلديات. إلى جانب ذلك هناك تزايد في أعداد طالبي اللجوء.

تتباحث هيئة COA مع البلديات لإيجاد حل. يـُنظر مثلاً في إمكانية تمديد العقود عند انتهائها، أو فتح مواقع جديدة. وتقول الهيئة إنها ستوزع المواقع الجديدة، بشكل "متوازن" على أنحاء البلاد.

أندريه هازيس

"أريد أن استفيد من الوقت الذي أقضيه هنا" يقول ج ويضيف " وإلا سيكون وقتاً ضائعاً. أريد أن أطوّر نفسي. حالياً أخصص الكثير من وقتي لتعلم اللغة الهولندية، عبر اليوتيوب وبعض التطبيقات الهاتفية اللغوية. الإنترنت بالنسبة للاجئ لا تقل أهمية عن الأكل والشرب." يختتم كلامه ضاحكاً.

يمسك هاتفه وهو جالس على السرير. يظهر قائمة الفيديوهات الخاصة بتعليم اللغة الهولندية، تقريباً شاهدها جميعاً. وحين نسأله عما تعلمه حتى الآن، يقدّم نفسه بلغة هولندية لا تكاد تسمع فيها لكنة.

وعبر الإنترنت يبحث أيضاً عن معلومات حول الثقافة الهولندية، بحيث أنه عثر على مطربه المفضل: أندريه هازيس. شغّـل أغنية Zij gelooft in mij (إنها تثق بي). "تعجبني جداً، ولحسن الحظ فهي ليست سريعة كما هو الغناء المعاصر، مما يجعلني أفهم بعض كلماتها."

تصوره عن هولندا إيجابي، لكن لديه مخاوف أيضاً: "لا نفعل هنا شيئاً سوى الانتظار، ألاحظ أحياناً سوريين آخرين، وصلوا بعدي، لكنهم قطعوا شوطاً متقدماً في إجراءات اللجوء، مما يشعرني بالتوتر، فأنا أريد مواصلة حياتي." يحلم جواد بافتتاح مطعم هنا. "أنا وزوجتي نجيد طبخ الأكلات السورية."

هوامش:

مراكز الإيواء التابعة لهيئة COA موزعة في مختلف أنحاء البلاد. يسكن اللاجئون في سجون سابقة، كما في هوخفين، أو أديرة كما في باكسم أو ثكنات عسكرية كما في خيلزه، وأحياناً في كرفانات كما في أناباروخي أو وحدات سكنية كما في إمن. تقع مراكز إيواء اللاجئين في وسط الغابات أحياناً كما في أويسترفايك، وأحياناً وسط المدينة كما في أوترخت، أو في قرية كما في أخت.

يجب أن يكون الوصول إلى مركز الإيواء سهلاً بالمواصلات العامة، كما يجب أن تتوفر مرافق خدمية كافية في المحيط القريب، مثل متجر سوبرماركت ومدارس.

المصدر: COA