الأزمات تحاصر الهولنديين.. لكنّهم راضون عن حياتهم

NOS

, ترجمة وتحرير: حازم درويش

عبّر معظم الهولنديين عن رضاهم عن حياتهم في احصاء جديد لمكتب التخطيط الاجتماعي والثقافيSCP. فقد بدا أنّهم تعافوا من الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد قبل عشر سنوات، وكانت الأكبر منذ ثلاثنيات القرن العشرين. لكنّ هذا الرضا لا يشمل حوالي 400 ألف هولندي عبّروا عن سخطهم على حياتهم وعن عجزهم عن اللحاق بالركب "السعيد".

يبحث مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي مرّة كل سنتين في مستوى رفاهية الهولنديين على مدار فترة زمنية معيّنة. هذه المرّة استهدف المكتب في بحثه الاحصائي الفترة من 2008 إلى 2018، والتي وقع فيها الاقتصاد الهولندي في أزمة حادة.

فقد أراد المكتب أن يتحقّق فيما إذا كان الهولنديون يلمسون صدق شعار التحالف الحكومي الذي يرى أنّه "يجب على كل شخص في هولندا أن يلاحظ أنّ الأمور تسير على مايرام". لذا فقد حرص المكتب في بحثه أن يتناول مواضيع حياتية مختلفة يتعامل معها كلّ هولندي.

أزمات وتغييرات

واجهت هولندا في فترة السنوات العشر التي استهدفها الاستقصاء أزمات مختلفة من بينها أزمة ائتمان، أزمة ديون وأزمة لاجئين. وقد قامت الحكومة بتغييرات مهمة في النظام خلال هذه الفترة.

هذه التغييرات طالت الضمان الاجتماعي، على سبيل المثال. وعوضاً عن حماية الدخل تمّ السير في سياسة إعادة الإدماج. كما اضطرت البلديات إلى طلب التعويضات من الناس الذين حصلوا على رواتب إعانة إجتماعية. كما أثّرت سياسة اللامركزية في مجالات الرعاية الصحيّة، رعاية الشباب والعمل التشاركي على كثير من الناس.

التفاوت في الأجور إلى ارتفاع

وصلت الأزمة الاقتصادية أوجها في عام 2013، حين بلغ الفقر في هولندا أعلى مستوى له منذ قرن وواصلت القدرة الشرائية للمواطن الهولندي انخفاضها على مدار أربع سنوات. لكن منذ تلك اللحظة بدأ الاقتصاد بالتعافي مجدّداً. في الفترة الواقعة بين عامي 2013 و 2017 ارتفعت القدرة الشرائية مجدّداً حتّى نسبة 8 بالمئة.

ارتفاع القدرة الشرائية لجزء كبير من السكان بعد عام 2013 لم يضمن ألّا يرتفع مقدار التفاوت في الأجور بين المواطنين في ذات الفترة.

زيادة الولادات بين المهاجرين

استمرت هولندا خلال السنوات العشر الأخيرة التي استهدفها بحث مكتب التخطيط الثقافي والاجتماعي في التحوّل إلى دولة هرمة. حيث ارتفعت نسبة السكّان الذين تزيد أعمارهم عن الـ 65 عاماً، مقارنةً بالسكان الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 14 والـ 64 من 22 بالمئة إلى 29 بالمئة من السكّان. كما انخفضت نسبة كبار السن الذين تجاوزوا الـ 75 والذين يعيشون في مأوىً للعجزة من 10,1 بالمئة إلى 7,8 بالمئة. فالكثير من المسنين لايزالون يفضّلون الإقامة في منازلهم.

وقد ارتفعت عام 2018 نسبة الشباب الذين يقيمون في منزل آبائهم لفترة أطول إلى 7,8 بالمئة من مجموع الشباب الهولندي. كما بدأت أعداد السكّان الهولنديين الأصليين في ذات الفترة بالانكماش ولكن بنسبة متواضعة. في المقابل حافظ الشعب على نموه من خلال ارتفاع نسبة الولادات بين المهاجرين بشكل عام، وقدوم المزيد من المهاجرين الجدد إلى البلاد.

المغاربة والأتراك عاجزون عن مجاراة الهولنديين

منذ عام 2016 واصلت نسبة النساء والرجال الذين تمكّنوا من متابعة تعليمهم العالي ارتفاعها. وهذا شمل أيضاً الهولنديين من أصول مهاجرة، لكنّهم لم يتمكنوا بعد من مجاراة الهولنديين. خاصةً أولئك الذين يعودون لأصول تركية ومغربية.

من جهة أخرى حافظت أعداد الهولنديين من أصول مغربية وتركية من الذين تابعوا تعليماً منخفضاً على ركودها، من دون أي تغيير يذكر. وفي مقابل نمو أعداد الذين يتلقّون تعليماً جامعياً عالياً بين أبناء هذه الفئة الاجتماعية، انخفضت أعداد الذين يتابعون تعليمهم الثانوي.

العمل لأصحاب المهارات

بعد تجاوز الأزمة الاقتصادية أصبح سوق العمل في السنوات الأخيرة أكثر مرونة. فقد ارتفعت أعداد الموظفين كما أعداد الأشخاص الذين لديهم عقود عمل مرنة. الأشخاص الذين يعملون لحسابهم، ارتفعت أعدادهم بدايةً، ثمّ عاودت انخفاضها.

وأكّد مكتب التخطيط في استنتاجاته المبنية على البحث أنّ على الموظف المستقبلي أن يمتلك مهارات اجتماعية وعاطفية تمكّنه من أن يظلّ جذّاباً لسوق العمل، التي سيفقد العمل الروتيني أهميته فيها لأسباب عديدة، أهمّها انتشار الروبوتات. لكن المكتب يحذّر من جهة أخرى، من أنّ قلّة من الناس فقط ستستطيع مجاراة ذلك، مّما سيزيد من نسبة العاطلين عن العمل والعمّال بأجور منخفضة في أوساط من لن يستطيع مواكبة هذه الموجة.

تراجع مستوى الرعاية الصحية

يقدّم مكتب التخطيط في بحثه الاستقصائي الجديد صورة أقلّ تفاؤلاً عن حال الرعاية الصحية في هولندا، من تلك التي قدّمها في بحثه السابق عن الفترة الواقعة بين أعوام 1990 و2015. ففي تلك الفترة تمّ تحقيق الكثير من المكاسب الصحية، حيث ارتفع متوسط العمر بين الهولنديين و تقدّم الكثير منهم بالعمر وهم في صحة جيدة. وهذا ما انتهى حالياً، حيث لم يتمّ تحقيق أي تقدّم في هذا المجال. بل تباطئ نمو متوسط العمر بين الهولنديين في الفترة من 2008 إلى 2018، بلّ وتراجع أيضاً بين عامي 2014 و2015. وذلك لم يشمل هولندا وحدها، بل بلدان أوروبية عدّة أيضاً. السبب في هذا التراجع في هولندا في تلك الفترة، مردّه إلى الأنفلونزا. أمّا في بريطانيا، على سبيل المثال، فقد كان مردّه إلى تخفيض النفقات الحكومية على الرعاية الصحية والرفاه الاجتماعي.

الجرائم إلى انخفاض والهولنديون يعتقدون العكس

واصل مستوى الجرائم في هولندا انخفاضه في السنوات الأخيرة، وهذا ما كانت عليه الحال منذ مطلع الألفية الثالثة. فقد انخفضت خلال الخمس السنوات الأخيرة كلّ أنواع الجرائم، باستثناء الجرائم الإلكترونية. أمّ التعدّي على الآخرين فلم ينخفض في هذه الفترة. وحاول مكتب التخطيط التحرّي فيما إذا كان سبب انخفاض عدد الجرائم المرتكبة يعود إلى انخفاض عدد الأشخاص الذين أبلغوا عن وقوع جرائم، لكنّه لم ينوصّل إلى إجابات قاطعة فيما يخصّ هذا الأمر.

لايزال الكثير من الهولنديين يعتقدون أنّ مستوى الجريمة قد ارتفع في السنوات الأخيرة وتحوّل إلى مشكلة حقيقية. لكنّ هذه المجموعة تقلّصت في العقود الأخيرة مقارنةً بفترات زمنية سابقة.