"قوّة هولندا تكمن في انفتاحها وتنوّعها واختلافاتها". هذا ما أكّدتها وزيرة التجارة الخارجية والتعاون الدولي الهولنديّة، سيخريد كاخ في خطابٍ لها الأسبوع الماضي في متحف الريكس في أمستردام. خطاب الوزيرة هذا يشكّل نقيضاً كلّياً لخطاب وزير الماليّة فوبك هوكسترا في أيلول الماضي، والذي حذّر فيه من أنّ "الهويّة الهولنديّة في خطر".

في خطاب سيخريد كاخ تبدو الهويّة الهولنديّة دينامكية وغنيّة وبنّاءة. هويّة حيّة قابلة للاستمرار والتطور، فهي مختلفة كلّ الاختلاف عن الهويات المغلقة التي لازالت تثقل كاهل الكثير من البشر الذين يعيشون في ظلّ أنظمة ديكتاتورية قمعيّة أو مجتمعات وسلطات دينيّة متخلّفة.

أمّا في خطاب هوكسترا فإنّنا نواجه هويّة هولنديّة خائفة ومخيفة وسلبيّة. هوية ميّتة أو في طريقها إلى الموت، وهي لا تختلف عن هويّات العصور الوسطى التي من المفترض أنّ هولندا ودول أوروبيّة أخرى قد تجاوزتها منذ زمن طويل.

وبغضّ النظر عن التفاؤل والتشاؤم، لأنّ التفاؤل والتشاؤم نسبيان ويعتمدان على تجربتك في الحياة ومنظورك لها، فإنّ خطاب كاخ يبدو مليئاً بالثقة والتفاؤل، دون أن يكون متهوّراً، فهو يستخدم الأرقام والتفاصيل ويمثّل حقيقة هولندا. على عكس خطاب هوكسترا الذي يسرد أمثلة فرديّة ليطلق أحكام عامة بغرض تعزيز روح التشاؤم لدى لكثيرين من الناس. وهذا قد يساعد الوزير وحزبه على جني المزيد من الأصوات في الانتخابات القادمة، لكنّه لا يساهم بشكل إيجابي في مستقبل هذا البلد.

كلاجئ هرب إلى هولندا لينجو بنفسه من الموت أكثر من مرّة وليستطيع أن يكون نفسه بكامل الحريّة والأمان، وهو ما استطعت أن أكونه حقّاً هنا، إلى أيّ الخطابين يجب أن أصغي وبأيّهما يجب أن أؤمن؟

هولندا سيخريد كاخ كما ظهرت في خطابها الأخير وكذلك في كلّ مقابلاتها وتصريحاتها السابقة تبدو على هيئة هولندا التي أعرفها. هولندا التي منحتني الحريّة والقدرة لأكون نفسي ولأختار مستقبلي وأبنيه كما أريد، ولأتعرّف على قيمة الاختلاف والتنوّع وأقدرهما، ولأساهم مع الآخرين، كلّهم في بناء هذا البلد وسعادة شعبه وازدهارهم.

لهذه الأسباب جميعها تمثّل كاخ الوجه الحقيقي لهولندا بالنسبة لي. هولندا التي رحّبت بي ومنحتني مكاناً في مجتمعها. إنّها تشبه كلّ الناس الطيبيين الذي تعرّفت عليهم منذ وصولي إلى زفولا قبل أربع سنوات. أشخاص ينتمون إلى مجتمع متنوّع وهويّة نابضة بالحياة أودّ المشاركة فيها والعمل من أجلها.

هذا مختلف تماماً عن مضمون الخطابات الأخرى التي لا تشبه هولندا والتي أشعر معها أنّي غريب في هولندا ولادور لي ولا مكان لي فيها. فوقفاً  لتلك الخطابات يتمّ زجّي في مجموعة معيّنة من قاطني هذا البلد والذين عليهم "التشرّف بأن يكونوا هولنديين". وذلك فقط لأنّي أملك هويّة جنسانية أو عرقية او دينية مختلفة.

ما أفهمه من تاريخ هولندا، كما من خطابات كاخ أنّ الهويّة الهولنديّة والمجتمع الهولندي كانا دائمي التطوّر والغنى. وهذا ما أريد أن أكون فعّالاً للمساهمة فيه. أيضاً الكثير من القادمين الجدد الذين قدم معظمهم من سوريا قبل أربع سنوات والذين ما أن أنهو اجراءات لجوئهم وتعلّمهم للّغة حتّى بدؤوا بالعمل أو متابعة دراستهم يريدون ذلك. على الرغم من أزماتهم النفسيّة جرّاء الحرب واللجوء والكثير من العقبات التي تواجههم في بناء حياتهم هنا.

لذا فمن الطبيعي أن أصدّق تفاؤل خطابات كاخ والذي يشمل بطبيعة الحال اندماج القادمين الجدد في هولندا. والذي يؤكّد على أهميّة الفروق الدقيقة عند الحديث عن الهجرة والاندماج. وذلك على عكس ما تفعله "الذئاب الشعبويّة" إذا ما تعلّق الأمر بالهجرة والاندماج، كما تؤكّد كاخ نفسها.

هذه الذئاب تملك هويّة يصحّ تصنيفها تحت ما أسماه الكاتب اللبناني أمين معلوف قبل أكثر عشرين عاماً بـ"الهويات القاتلة". هذه الهويات التي لاتزال تتقاتل فيما بينها في سوريا وفي أماكن كثيرة من العالم، تحت تأثير سياسات دولية وأنظمة ديكتاتورية مختلفة. إنّها ذات الهويات الطائفية والقومية التي نبذتني وقادتني إلى أن أكون في هولندا الآن. هولندا التي تملك "هويّة تشاركيّة" والتي أساسها "الحريّة والتسامح" وفقاً لكاخ.

هولندا هذه هي من فتحت لي أبوابها ومن أودّ في المشاركة في كتابة "قصّتها"، بحيث يمكننا الاندماج في مجتمعها والمشاركة الفعّالة في بناء مستقبله.