"ماذا تعلمت من هولندا؟ لقد تعلمت أن أثق بنفسي أكثر، والأهم أن بإمكاني أن أحلم وأن أسعى لتحقيق حلمي. في بلادنا كنا نعلم مسبقاً سقف طموحاتنا. وأننا لن نصل إلى ما نرغب به إلا عن طريق الرشوة. لا أقول أن هولندا جنة، وهذا ما اعتقدته قبل مجيئي إلى هنا، وهي كأي بلد فيها سلبيات، لكن هنا وجدت المساحة التي تسمح لي بأن أصنع نفسي. أنا أحب هولندا."

هذا ما قاله شاب سوري عندما سألت مجموعة من اللاجئين "ما الذي غيره اللجوء بك، وما الذي تعلمته في هولندا؟". سيدة أخرى قالت: "لم أعد أخاف من شيء، وصرت أقوم بمهام كانت حكراً على الرجال، كل أعطال المنزل قمت بتصليحها بنفسي. ولكن تعلمت أن الحياة ليست كالسابق مريحة، لا أجد وقتاً للراحة، عليّ أن أعمل وأدرس طوال اليوم".

أحدهم قال بإنه يجب عليك أن تنفض عنك ذكرياتك التي حملتها معك من بلدك، لكي تمضي حياتك هنا بسلام. وقد وافقه آخرون في رأيه، فهم لم يعودوا للنظر إلى الوراء وبدأوا في بناء حياة جديدة لهم في هذه البلاد. وبرأيهم أن الشخص طالما بقي متعلقاً بماضيه فلن يخلق القفزة التي سوف تنقله إلى مستقبل ناجح.

مثل ما حمل اللاجئون أوراقهم الرسمية واثباتات تدل على هول ما هربوا منه في بلادهم، حملوا أيضاً أحلاماً لكي يحققوها في بلدانهم الجديدة. وهل يلجأ أحد دون أن يكون له أمل وحلم بحياة أفضل من التي تركها وراء ظهره؟ ومع مرور الأيام بدأوا في اكتشاف أنفسهم إلى جانب اكتشاف بلدانهم الجديدة. بدأوا في سؤال أنفسهم ما الذي ينقصنا لكي نشعر بأننا نحيا الحياة التي نرغب؟ كثير من النساء اللاجئات اخترن أن يكن مستقلات في تقرير مصيرهن، وذلك بعد أن علمن أن بإمكانهن اختيار الطريقة التي يرغبن أن يعشن حياتهن بها.

كما بدء اللاجئون في الانخراط في حياة جديدة كانوا يتطلعون إلى الحصول عليها في بلدانهم الأصلية. الحياة السياسية وحرية الأحزاب والصحافة، كانت من الجوانب المهمة التي بدأوا هنا في متابعتها والتعرف عليها، كما بدأ البعض منهم في الانضمام إلى أحزاب تدافع عن استقبال اللاجئين. هنا بدأ اللاجئون في التدرب على الكلام واختبار نغمة صوتهم. فبعد أن عشنا في بلدان كانت ممالك للصمت، بلدان اللون الواحد، والحزب الواحد، والرأي الواحد، انفتح اللاجئون على ألوان وآراء وحياة متنوعة ومختلفة.

أصبحت جدران الدوائر الضيقة التي ولد داخلها اللاجئون في بلدانهم الأصلية أكثر هشاشة، وإن كانت لم تتهدم بعد، لكن أصبح بالإمكان أن تمد رأسك وتَطَلع أكثر على حياة جارك المختلف عنك.

الحياة كتاب مفتوح:

بالنسبة إلى البعض فإن اللجوء قد حرره من الإنتماء إلى مكان محدد. بالنسبة لنا يأخذ الانتماء حيزاً كبيراً في حياتنا، وعلى أساسه تتوقف الكثير من القرارات المصيرية. الانتماء إلى القبيلة أو الدين أو الطائفة أو الطبقة، كل ذلك كان يتحكم بقراراتنا المصيرية ويجعلنا نرتب حياتنا تبعاً لذلك. في هولندا، لا تمحى هذه الفوارق تماماً ولكنها أخف وطأة بكثير.

وعلى الرغم من أن اليمين القومي أصبح قوياً، ما تزال فكرة الانفتاح وتقبل الثقافات المتعددة قوية أيضاً. يجد اللاجئون أنفسهم متوافقين مع الهولنديين الذين يقولون بأنهم لا يحملون انتماءات ضيقة وذلك يعني أن الحدود والعقول والقلوب لا يجب أن تغلق بوجه الآخر. الآن مع اختلاط اللاجئين بسكان البلدان المستقبلة لهم، أصبحت جدران الدوائر الضيقة التي ولدوا داخلها في بلدانهم الأصلية أكثر هشاشة، وإن كانت لم تتهدم بعد، لكن أصبح بالإمكان أن تمد رأسك وتَطَلع أكثر على حياة جارك المختلف عنك.

أضحت الحياة في أوروبا بالنسبة للكثيرين كتاباً مفتوحاً، كما أن منسوب التفاؤل بتحقيق ما عجزوا عنه في بلدانهم ارتفع. ولذلك هم يتحسسون من صفة اللاجئ التي توضع إلى جانب أسمائهم. صفة كالحِمّلِ الثقيل الذي يجثم على صدر صاحبه ليُذكره بأنه من كوكب آخر أو من درجة أدنى من الآخرين.  أصبح هذا التعريف الآن وكأنه يدل على شخص لا قوة له ويستحق الشفقة والمساعدة. وكبديل عن ذلك، تجد صفة قادم جديد أو هولندي جديد صدىً أجمل عندما نسمعها. هذه الصفة تحمل الاعتراف بنا كبشر متساوين في الحقوق والواجبات مع أهل البلد الأصلييين، وطالما أننا قادمون جدد، فنحن قدمنا لكي نضيف شيئاً جديداً على هذه البلاد ولكي نبني حياتنا من جديد. وبالاعتراف بنا كهولنديين جدد، قد يساعدنا ذلك أن نكون حقاً جزءاً من هذا الكل.